الجزء الثامن والعشرون
الجزء الأخير من سلسلة حياة القسام
قرأ إخوان القسام، ما خطته شمس أصيل اليوم الذي صعدت فيه روح القائد الشهيد الى بارئها تشكو ظلم الغدرين من الصليبين واليهود، وسمعوا صيحته المدوّية التي ملأت مسامع الزمان والمكان: (هذا جهاد... نصر أو استشهاد).
وعندما عادوا إلى أحراش (يعبد) امتلأت خياشيمهم بأشذاء الدماء الثائرة.
وعندما زار الشيخ فرحان السعدي، صديق القائد الشهيد، (رشيد الحاج ابراهيم) في حيفا، متنكراً، ومتخفياً، وقرأ آخر كلمات القائد الشهيد، سارع إلى مغادرة حيفا، إلى جبال جنين ونابلس وطولكرم، ليعلن من هناك، أن صيحة الجهاد التي أطلقها الشيخ القائد ما تزال تنداح في أجواء فلسطين، تعانق النجوم، ثم تعود لتستثير نخوات الرجال...
حمل السعدي آخر كلمات خطّها يراع الشيخ:
(إني واثق من نفسي، وإن صوتي سيجدي صداه في كل مكان، عند أول صيحة) وهو يهتف، كلما قرأها:
ـ لبيك يا شيخ عزالدين.. لبيك أيها القائد الشهيد...
وانطلق الى المدن والقرى والى النفوس الأبية التي أحبّت القائد الشهيد، وأبدت استعدادها للجهاد تحت راية الاسلام والاستشهاد من أجل الأرض المقدسة التي باركها الله وكان يلقي الاستجابة السريعة من كل من يعرض عليه صيحة القائد الشهيد، حتى صارت جبال جنين ونابلس وطولكرم وقراها وأوديتها وأشجارها وأحجارها تردد صيحة القائد الشهيد وتستنفر الرجال للجهاد والاستشهاد كما تستنفر النخوات العربية وتستجيش المشاعر الاسلامية لخوض معارك الكرامة والتحرير.
وكان الشيخ فرحان لا تهدأ له حركة، ولا يرفأ له دمع كلما خلا بنفسه وتذكّرَ الأيام القليلة التي عرف فيها القائد الشهيد فيهتف:
ـ يا لثارات يعبد... يا لثارات الشيخ الشهيد...
حتى إذا ما تمكّن تلاميذ القسام من الفتك بحليم بسطة الضابط العميل للانجليز واليهود معاً والذي طالما تعقّب القائد الشهيد دون أن يصل إلى طائل يطول الشيخ... جاءه من يقول له:
ـ اهدأ يا شيخ فرحان فقد قتلنا غريم الشيخ.
فردّ عليه الشيخ فرحان:
ـ إنّ دماء حليم بسطة ورأسه وأشلاءه لا تساوي عندي قلامة ظفر من أظافر القائد الشهيد.
فردّ عليه الرجل القساميّ أبو أحمد:
ـ ولا عندنا... ولا عند الله والناس، ولكننا نريدك أن تهدأ قليلاً ريثما يهدأ الناس.
فقال الشيخ فرحان:
ـ لا.. لا نريد للثورة التي أوقد شعلتها القائد الشهيد أن تهدأ، فالثورة مستمرة... وإذا حسب بعض الناس أننا نحن الذين أوقدنا شعلتها منذ سنتين فهو مخطئ...
الثورة ثورة القسام، وُلدت في أحراش (يعبد)، يوم أطلق الشيخ رصاصتها الأولى وسوف تستمر إلى أن تعود فلسطين حرّة مستقلة، عربية مسلمة، ... لا .. لا أريد لأعصابي وأعصابك أن تهدأ... وإذا...
فقاطعه الرجل القساميّ بقوله:
ـ وإذا قتلنا(أندروز) هذا الحاكم الانجليزي القذر؟
فأشرق وجه السعدي، ربما لأول مرة منذ استشهاد القسام وقال:
ـ عندئذ يفرح المؤمنون بنصر الله.
وعندما عاد الرجل القسامي بعد بضعة أشهر يحمل البشرى الى الشيخ فرحان بقتل ذلك الحاكم الانجليزي، قال:
ـ الآن يطمئن قلبي إلى المسار الصحيح للثورة... الآن تطمئن روح الشهيد القائد، وهي ترفرف فوق جامع الاستقلال بحيفا، وفوق أحراش يعبد، بين جنين والكرمل، وهي ترى الأحجار الكبيرة تُزال من الطريق.
وقال الشيخ فرحان:
ـ إذا متّ اليوم، أموت سعيداً، لأنَّ روحي ستعانق روح الحبيب...
ثم قال لذلك الشابّ القسامي:
ـ قل لإخوانك: حذار من ضياع صيحة القائد الشهيد.
ولم تمض أيام، إلا والشيخ الطاعن في السن، فرحان السعدي يَمثُل أمام محكمة من محاكم التفتيش الانجليزية اليهودية فتحكم عليه بالاعدام متهمة اياه بالتخطيط والتنفيذ لسلسلة من العمليات التي فاجأتهم وأقضت مضاجعهم فهو العقل المدبّر لمجموعات القسام، بعد استشهاد القسام.
وكان الشيخ فرحان، ابن الرابعة والسبعين صامداً كالطود ثابت الجنان وهو يخطو نحو حبل المشنقة ..
كان يبتسم فيعجب الناس لابتسامه، كانت روح القسام تدعوه إليها مستبشرة بقدومه ليكون السائرون على درب الشهادة متواصلين... في كل يوم يقدم شهيد على رأس كوكبة من الشهداء القسامين...
ونظر الناس إلى الجسد المدّلى تحفّه أرواح إخوانه الذين سبقوه في أحراش يعبد وما بعدها فزادهم إيماناً بسلامة الطريق المفضي إلى النصر والتحرير والجنة وزادهم مضاء وإصراراً على سلوكه، مهما غلت التضحيات..
وقال أبو إبراهيم الكبير لإخوانه( الدراويش) المجاهدين وهو يقودهم في معركة(يركا):
ـ ألا تسمعون صيحة القائد الشهيد؟
إني لأسمع أصداءها تتجاوب بها بطاح فلسطين وجبالها..
هذا جهاد... نصر أو استشهاد.
ولا نامت أعين الجبناء...
وتناهت الصيحة إلى الشيخ عطية في جبال الكرمل وجنين، فتحفّز، واستدعت المجاهد الشيخ محمد الأشمر مع مئة من إخوانه الثائرين على الانتداب الفرنسي في غوطة دمشق ليكون رجع الصدى لتلك الصيحة القسامية الأبدية، بعد أن تسامع بها المجاهدون في بلاد الشام والمجاهدون في أرض الكنانة وهي تنتدبهم لخوض المنايا في الأرض المقدسة التي باركها الله وشرّفها رسوله وروّتها دماء الجيل الفريد في التاريخ وفتح عاصمتها أعدل حاكم عرفته الأرض وحررّها بطل الأبطال صلاح الدين..
قال الراوي الذي كان يرصد الأحداث كأنه الشاهد عليها:
ـ ها قد جاءت دورة حضارية جديدة بمجيء الشيخ المجاهد القسام، وقد روّتها دماء تلاميذه ومريديه من المجاهدين، الذين سلّموا الراية إلى العقل المتفتح وإلى الرأس الذي يحسن التفكير والتدبير، الى الشيخ الذي تمردت روحه المتوثبة على جسده المشلول فقاد كتائب القسام ليكون الفتح والتحرير من فيوضات تلك الصيحة التاريخية.
ـ ومن هنا ... من جامع الاستقلال في حيفا ...
ومن فوق ذرى جبال جنين ونابلس وطولكرم...
ومن قمم الدوح في أحراش يعبد...
بدأت أسجل أنصع صفحات الجهاد.
لثورة القسام وإخوانه في فلسطين وفي سورية ومصر.
ولابنها الشرعي الشهيد أحمد ياسين.
المؤسس لبنيان شيد من نفوش الرجال وأريحيات الأبطال ممن هم على خُطا القسام التي تومض للسُّراة في ليل الصحوة صُوىً على الدروب المُغضية إلى أوكار الهدّامين الغادرين من بني صهيون، لتدكها الأيدي المتوضئة بنور الله.
أنشودة الحور طلت
أنشودة إنّا باقون على العهد
اللهم سامحني إن أخطأت واحتسب أجر هذا العمل، إن كنت استحق عليه أجراً، الى روح والدي الحبيب...
لا تنسونا من صالح الدعاء...
تحياتي: ابنة جنين... قلعة الصمود...N.A