الجزء السادس عشر
كان الشيخ عزالدين عاقلا، بعيدا عن التهور... وكان يعرف أنه غريب في عُرف بعض الناس وقد تكون غربته مدعاة للحسد خاصة بعدما لاحظ احتفال معارفه به، من رواد مسجد الاستقلال ولهذا قرر أن يكون صبورا حكيما حتى لا يقع فيما لا يريد الوقوع فيه مما يبعده عن مهمته الجهادية وكان يوصي إخوانه بما يوصي به نفسه وأهله ويردّد على مسامعهم الحديث الشريف الذي أدّب رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه به: "إنّكم لن تسعوا الناس بأموالكم ولكن يسعهم منكم حسن الخلق".
كما يردد هذا البيت الذي حفظوه مع الحديث النبوي ، لكثرة ما سمعوه:
إذا لم تتسع أخلاق قوم تضيق بهم فسيحات البلاد.
وأراد الشيخ أن يوسّع دائرة معارفه في المدينة، فذهب إلى المدرسة الإسلامية، وتعاون معها، وشاركها في تعليم الأطفال، وعن هذا الطريق تعرّف إلى التلاميذ، وإلى آبائهم وإخوانهم وأقاربهم، كما تعرّف إلى المعلمين، واكتسب قلوبهم بسرعة، لما تميّز به من زهد وتواضع وعلم، فكانوا يرون فيه العالم المحبوب، الزاهد في أيّ شيء يتطلعون إليه والزاهد في مأكله وملبسه...، عندما زاروه في بيته رأوه بيتا متواضعا كبيوت الفقراء الآخرين، ورأوا بيته مطروقا من فقراء العمال والفلاحين يستقبلهم بابتسامته التي لا تفارق شفتيه، ويداعبهم ويمازحه ويضاحكهم ويحرص على زيارتهم ومجالستهم، بعيدا عن الأضواء التي يتهافت عليها غيره، فعندما كان بعض المشايخ يتهافتون على المناصب، ويتنافسون في احتلال المراكز وحضور المؤتمرات، كانوا يرون الشيخ القسام مع رفاق العقيدة والمبدأ والسلاح، يعلمهم، ويوجههم ليسهموا في نشر رسالته بين الفلاحين الأميين الذين صاروا يقرؤون ويكتبون، ويعرفون بعض تعاليم دينهم، بل إنهم ليرون الشيخ القسام نفسه، يساعد الفلاحين في زراعتهم وفلاحتهم، كأنه فلاّح مثلهم، وواحد منهم بل كان، كما وصفه الشيخ القصاب لأصحابه التجار من أهل حيفا:
ـ الحق... أنّ الشيخ القسام شخصية شعبية جماهيرية جذّابة محبوبة، وهو حسن السيرة والمعشر، يتصل بسائر فئات الشعب، متدينين وغير متدينين، ويجالسهم في المساجد والبيوت والمقاهي ويزورهم في المآتم والأفراح والمضافات مما أثار بعض المتزمتين عليه ولكنه لم يأبه لهؤلاء لأنه صاحب رسالة يسعى إلى تحقيقها بكل الأساليب والطرق النظيفة.... وكانت تتوارى خلف هذه الشخصية الشعبية المحبّبة شخصية تنظيمية فذّة فبعد أن اجتمع عليه الناس في جامع الاستقلال الذي جعل منه مدرسة اسلامية فريدة، بحيث كان الناس يتوافدون إليه من سائر أحياء المدينة وقراها، ليستمعوا إلى خطبة الجمعة، أو إلى دروسه الحيّة، أو لحضور مجالس الذكر، ومجالس الصلاة على النبيّ صلى الله عليه وسلم، التي كان يقيمها المسجد، ليبثّ من خلالها ما يريد من فكر جهاديّ، وتربويّ وسياسي وبعد أن وثّق صلاته بالقرى التي كان يزورها، ويقيم علاقات الأخوّة والصداقة فيها...
بعد كل هذا وأثناءه، بدا الشيخ يشكل تنظيمه السريّ، ويختار له من يثق به من الشبان والشيوخ والكهول، لتهيئتهم من أجل القيام بعمل مسلّح، يستطيع الوقوف في وجه اليهود والإنجليز معا.
كان هذا في الوقت التي كانت الثورة في سورية تجتاح الاستعمار الفرنسي، وكان القسام يضع اللبنات الأولى لتنظيمه السّريّ، وكان يربّي أعضاء التنظيم تربية خاصة صارمة، على التمسك بأهداب الدين، والتفقه بأحكامه، ومعرفة الحلال والحرام، والابتعاد عن الشبهات، كما كان يؤكد لهم على معاني السريّة والكتمان ويأتيهم بالشواهد الكثيرة على أهمية الكتمان، من حديث الرسول صلى الله عليه وسلم ومن حياته العملية، ومن حياة أصحابه، كما كان يدربهم على استخدام السلاح ويلّح عليهم في شرائه واقتنائه ومعايشته، ليكون جزءاً من حياتهم، يبادلونه حبا بحبّ، وعشقاً بعشق، وكان يقول لهم:
ـ استعدوا فالمواجهة قريبة.
وكان الشيخ يزرع حبّ فلسطين في نفوس، من خلال دروسه الفقهية، وكان يطلب من بعض تلاميذه توجيه أسئلة معيّنة، ليجيب عليها الجواب الذي يجب أن يعرفه الناس.
سأله تلميذه أبو ابراهيم الكبير مرة، والمسجد مكتظ بالناس:
ـ هل صحيح يا مولانا، أن فلسطين كانت ليهود قبل أربع آلاف سنة؟
فرفع الشيخ كمّ جُبّته الأيمن وقال:
ـ هذا سؤال مهم.. ولا بأس في الاجابة عليه، مع أنّ درسنا كان حول الحج إلى بيت الله الحرام....
اسمعوا يا أخواني الجواب على سؤال أخيكم أبي ابراهيم...
عُرفت فلسطين بأرض كنعان منذ عام 2500 قبل الميلاد واستمرَّ العرب الكنعانيون يحكمونها ألفا وخمس مئة عام، حتى سُمّيت باسمهم، فقيل لها: أرض كنعان هكذا ورد في توراة اليهود، حين تحدّثت توراتهم عن عبور اليهود نهر الأردن، واستقرارهم جنوبيّ القدس في أرض كنعان..
وكان سيِّدنا إبراهيم عليه السلام أول من عبر النهر مع مجموعة من قومه، واشترى حفيده اسرائيل مزرعة كأي فلاح لاجئ غريب، تملَّكلها في ظل العرب الكنعانيين، وكوّن مع قومه ما يشبه جالية أجنبية صغيرة....
ولّما جاء موسى عليه السلام مع قومه من مصر، هربا من فرعون وملئه، تاه موسى ومن معه أربعين سنة في جزيرة سيناء، وكان هذا سنة 1290 قبل الميلاد، ولم يجرؤ على اقتحام أرض كنعان، ثم اقتحمها خليفته من بعده، واسمه يوشع بن نون، عام 1186 قبل الميلاد، واحتلَّ أريحا، وذبح أهلها، وخرّب بيوتها.... هل تفهمون ما أقول؟ احفظوا هذه المعلومات جيداً...
وسيدنا داوود عليه السلام لم يؤسس مملكة إسرائيل إلا سنة ألف قبل الميلاد، بعد أن سقطت أورشليم(يعني القدس) في أيديهم... وكانت أورشليم تمثل آخر حصون الكنعانيين.
ثم انهارت مملكة داوود عام 935 قبل الميلاد بموت النبي سليمان بن داوود عليهما السلام، وانقسمت إلى مملكتين: مملكة إسرائيل، ومملكة يهودا القدس وما جاورها إليها.
وهكذا فنّد الشيخ مزاعم اليهود في حقّهم التاريخي في فلسطين والناس مشدودون إليه، حتى إنّ بعضهم كان يكتب ما يقوله الشيخ ويستعيده بعض الأسماء والأرقام، ليجادلوا اليهود في أكاذيبهم.
وسأله مرة سعيد عطية المصري، وكان من أعوانه، عن السبي الذي تعرّض له اليهود، ومرة عن فتح القدس ، وكان الشيخ يجيبه ويركز على بعض المعاني...
ففي فتح القدس، تحدث عن تحرير فلسطين من أيدي الروم..
وكيف أن بطارقة القدس، طلبوا من القائد أبي عبيدة بن الجراح أن يأتيهم بأميرالمؤمنين عمر بن الخطاب ليصالحوه على فتح المدينة المقدّسة، ويسلّموه مفاتيحها، وعندما جاءهم أمير المؤمنين كان من جملة ما اشترطوه على المسلمين أن لا يسمحوا لليهود بالسكن في بيت المقدس، وقالوا: إنّ اليهود رجس شيطاني لا يجوز لهم أن يدنّسوا المدينة الطاهرة، وقد وافقهم أمير المؤمنين عمر على هذا، وأثبته في العهد الذي واثقهم عليه.
فهتف عدد من الحاضرين:
ـ الله أكبر... الله أكبر.
ـ أرأيتم؟ بطارقة النصارى وزعماؤهم ورجال الدين فيهم، يطالبون أمير المؤمنين، بألا يسمح بإقامة اليهود في بيت المقدس... لماذا؟ لأنهم يعرفون أن اليهود فاسدون مفسدون في الأرض.
ومرة سأله أبو ابراهيم الصغير عن اللجنة الصهيونية قائلا:
ـ كثيرا ما نسمع عن اللجنة الصهيونية يا مولانا، وبعضهم يزعم أنها هي التي تتصرف في فلسطين، وكأنها الحاكمة والمسؤولة.. فما هي هذه اللجنة؟
هَمهَمَ الشيخ عزالدين، ورفع كلتا يديه إلى الأعلى وشدَّ كميّه إلى زنديه، وقال، وابتسامته التي لا تفارق محيّاه، تزيِّن وجهه الصبوح:
ـ كنّا نتحدث عن مكارم الأخلاق التي جاء بها الاسلام، وتريدنا يا أخي يا أبا إبراهيم أن ننتقل إلى أصحاب مساوئ الأخلاق، من إنجليز ويهود.
فقال أبو ابراهيم الصغير:
ـ وبضدّها تتميز الأشياء يا مولانا.
قال الشيخ عزالدين، ردّا على سؤال أبا إبراهيم الصغير:
ـ الانجليز احتلوا فلسطين، ودخلوا القدس في التاسع من شهر كانون الأول عام 1917 احفظوا هذا التاريخ، حذارِ أن تنسوه...
وبعد يومين من احتلال القدس وقف الجنرال اللنبي ـ قائد الجيش الإنجليزي المحتل ـ وألقى خطابه المشهور في قلعة القدس القديمة، وقال فيه: الآن انتهت الحروب الصليبية.. كما وقف غورو، القائد الفرنسي الذي احتلّ دمشق في الرابع والعشرين من تموز 1920... وقف السكّير على قبر صلاح الدين الأيوبي رضي الله عنه، وركله بقدمه،.. وقال: عدنا يا صلاح الدين...
قبر صلاح الدين
وقد سبق احتلال بلاد الشام اتفاقية سايكس وبيكو في تشرين الأول عام 1916 وقضت تلك الاتفاقية بتقسيم بلاد الشام إلى مجموعة من الدويلات، وأعطى بلفور اللعين، وزير خارجية الانجليز، وعدا لليهود بإنشاء وطن قومي لهم في فلسطين في الثاني من تشرين الثاني عام 1927م.
وبناء على تلك الاتفاقيات السريّة، والوعد البلفوري المشؤوم أصدرت السلطات الانجليزية المحتلة أمرا الى الادارة العسكرية الانجليزية الحاكمة في فلسطين، وفي نيسان 1918 بأن تسمع وتطيع أوامر اللجنة الصهيونية التي وصلت في ذلك الحين الى فلسطين، برئاسة اليهودي وايزمان....
وايزمان
وبموجب هذا الأمر، أعطيت اللجنة الصهيونية ـ فورا ـ كل التسهيلات في تنقلاتها وتحرياتها، وصارت تلك اللجنة الملعونة، المرجع المهمّ للادارة الحاكمة، وسرعان ما فُتحت أبواب فلسطين للهجرة اليهودية...
فسأل سعيد المصري:
ـ والعرب؟ والفلسطينيون؟ أين كانوا؟
أجاب الشيخ عزالدين:
ـ الانجليز عزلوا الشعب الفلسطيني عن إخوانه وأشقائه في بلاد الشام، وحرّموا عليهم كلّ عمل يتصل بمستقبلهم... منعوهم حتى من السفر والتجول، ثم إنّ ظروف الحرب أنهكت الشعب، ثم جاء الانجليز ناكثوا العهود والمواثيق، ليزيدوا الطين بلّة، ويكونوا ضغثاَ على إبّالة، فاحتلوا فلسطين، والأردن، والعراق، كما احتلّوا من قبل مصر والهند... والانجليز أكبر قوة في البرّ والبحر...
فصاح عربي البدويّ:
ـ ولكن الله أكبر منهم، ومن أساطيلهم،وجيوشهم.
فقال القسام:
ـ أحسنت يا عربي.. بهذه الروح، وبهذا اليقين، نكون نحن أكبر منهم ومن اليهود ومن كلّ دول الكفر والضلال...
وأخرج الشيخ منديلا نظيفا من جيبه، وأسند ظهره إلى( العَرَندَس) الذي يجلس عليه ومسح عرقه الذي كانت حبّاته تتلألأ على جبينه، ثم تابع يقول:
ـ بالإيمان، أيها الأحباب، نمتلك إرادة لا تُقهَر بعون الله انظروا... عندما اعتقل الانجليز الأمير محمود الزناتي في الحادي والعشرين من نيسان عام ألف وتسع مئة وعشرين... احفظوا التاريخ... احفظوا تاريخ كل حادثة... أقول... عندما اعتقل الانجليز الأمير محمود الزناتي، بعد المذبحة التي شارك فيها الانجليز واليهود معاً، في الرابع والخامس من نيسان هذا، وهاجمت جموع الشعب الفلسطيني السجن، وأخرجوا الأمير المعتقل، برغم أنف الانجليز... ماذا فعل الانجليز؟ لقد انصاعوا لإرادة الشعب المؤمن.. وعندما اشتدت المواجهات بين الفلسطينيين واليهود والإنجليز، وهاجم الفلسطينيون بعض القرى اليهودية، ماذا فعل اليهود؟
فقال البدوي:
ـ هربوا مثل الكلاب.
ـ بل الكلاب تقف وتنبحك، وقد تهاجمك، للدفاع عن نفسها، أمّا اليهود فإنّهم ولّوا الأدبار.
وأحسّ الشيخ أنه ربما تجاوز المقرَّر في إجاباته اليوم، فقد استطاع غرس شجرة الحقد المقدس تجاه الانجليز واليهود في هذه الإجابات...
فأخذ يلملم جبّته، إيذانا بالانصراف، فقال له سعيد المصري:
ـ يا مولانا.. أنت لم تجبني على سؤالي: أين العرب؟ وأين المسلمين؟
هل من المعقول أن يبقى إخواننا العرب والمسلمين يتفرجون علينا ولا يحركون ساكناً من أجل القدس والأقصى والبراق والصخرة؟
قال الشيخ:
ـ دع العرب يا شيخ سعيد، فإنهم يكابدون ما يكابدون من ألوان التخلف والجهل والفقر والمرض... والمسلمون غارقون في مشكلاتهم.
قال سعيد المصري:
سوف أذهب إلى مصر. وأستنفر أهلها المسلمين لنصرة فلسطين.
قال الشيخ القسام:
بارك الله فيك يا شيخ سعيد المصري... سوف نعتمد على أنفسنا هنا، وسوف يتحرك أهل الغيرة والنجدات من إخواننا المسلمين في مصر وسورية والأردن والعراق والحجاز، والمغرب والهند وتركيا وغيرها من أجل هذه القضية المقدّسة..
وها نحن أولاء الآن نجلس في مسجد الاستقلال.. من بنى هذا المسجد؟ ومن بنى مدرسته؟ ومن وقف له الأوقاف؟
فأجابه سعيد:
ـ الشيخ كامل القصاب.
ـ ومن أين الشيخ كامل القصاب؟
ـ من دمشق.
ـ إذن... الشيخ القصاب ليس فلسطينيناً... إنه سوري، ومع ذلك جاء بي وبإخواني إلى فلسطين، لنتابع كفاحنا ضدّ الغزاة الانجليز واليهود هنا بعدما استحال الكفاح المسلح في سورية التي حكمها الفرنسيون الشرسون المجرمون.. لماذا؟ لأنّ هذه الأمة أمة واحدة، وهذا الوطن وطن واحد لكل المسلمين، ولأن هذه الأرض أرض عربية إسلامية منذ آلاف السنين. ثم... أريد أن أسألكم:
ـ ما اسم هذا الجامع؟
فجاءته الإجابة من كل مكان: مسجد الاستقلال.
فقال الشيخ:
ـ الشيخ كامل القصاب السوري الجنسية ـ حسب تقسيمات الاستعمارـ يبني هذا المسجد، ويسمّيه مسجد الاستقلال، تفاؤلاَ بالدور المأمول له في تحرير حيفا ويافا والقدس وغزة وسائر الأرض الفلسطينية.
هل تسمعني يا شيخ سعيد ابن الكنانة؟
ـ نعم يا مولانا ... أسمعك.
فقال الشيخ:
ـ المهم الآن.. أن تكون فلسطين كلّ فلسطين في قلوبنا، تكون هي همّنا وشغلنا الشاغل، أن يكون بيت المقدس، والأقصى والصخرة والبراق والخليل خليل الرحمن، وكل حبّة رمل أو تراب فلسطينية، في قلوبنا وعقولنا....
يتبع...
أنشودة أرض كنعان