العودة   منتديات قرية الجش الفلسطينية > :: المنتديات السياسية والــوطــنيــة :: > شخصيات فلسطينية وعربية مقاومة

شخصيات فلسطينية وعربية مقاومة لنبقي الذكرى خالدة لمن صنعوا المجد والحرية لشعب اغتصبت ارضه من ايادي الاحتلال

رد
 
أدوات الموضوع طرق مشاهدة الموضوع
قديم 18-07-2010, 02:14 AM   رقم المشاركة : 11
معلومات العضو
جنين
عضو خبير
 
الصورة الرمزية جنين
 
 

إحصائية العضو










جنين is on a distinguished road

جنين غير متواجد حالياً

افتراضي





الجزء التاسع



عندما أذّن المؤذّنون لصلاة الفجر، خفّ الشيخ عزالدين إلى المسجد، كأنّ عبئاً ثقيلا يؤود كاهله، ويريد أن يتخفّف منه.


دخل إلى مسجده، وعيناه تبحثان عن محمد الحنفي وعلي الحاج عبيد، رفيقي الصغر، وموضع ثقته وسّره، ولكنّهما لم تقعا عليهما، أو على واحد منهما، ولكنه بعد أن أحرم بالصلاة، سمع نحنحة الشيخ الحنفي، وكان يعرفها جيداً فهمَّ بقطع صلاته، ليفضي إليه بما في نفسه، ولكنه عدل ذلك، وأتمّ صلاة سنة الفجر، ثم زحف نحو صديقه الذي كان يصلي السنّة بالقرب منه، وهمس له:
ـ أريد أن أراك أنت وعلي عبيد.. أنا انتظركما في البيت بعد الصلاة.

فسأله صديقه الحنفي:
ـ هل من جديد؟
ـ في البيت تفهم كل شيء.

وبعد أن صلّى الشيخ بالناس صلاة الفجر، تكلّم كلمة مسهبة حول معاني الآيات التي قرأها في الصلاة، وكانت حول الجهاد، فحمّس الناس، ودعاهم إلى حمل السلاح، والدفاع عن بلادهم وأعرضاهم، وقال لهم:
ـ إنّ أرضكم كعرضكم، فحافظوا عليهما، لا ينتهكهما الغزاة القادمون من أوروبا.
وفي بيت الشيخ، التأم شمل الأصدقاء الثلاثة، وقبل أن يستفسر الشيخ الحنفي عن فحوى هذا اللقاء، قال الشيخ القسام:
ـ قررت بيع البيت والأثاث!
ـ أي بيت؟ وأيّ أثاث؟!
ـ بيتي هذا، وأثاثه..
ـ لماذا؟
ـ سنشتري بثمنه وثمن أثاثه بندقيات ومسدسات.
ـ والأسرة؟
ـ أيّ أسرة؟
ـ أسرتك يا شيخ عزالدين، أين تسكن؟
ـ سوف أرسلها الى الحفة..
ـ معقول؟
ـ طبعا معقول.. وإلا.. فكيف نقاتل الغزاة؟
ـ نحاول جمع بعض المال من الناس.
فتساءل الشيخ عزالدين:
ـ ألم تجعلوني إمامكم؟
ـ بلى.
ـ ألستم تقتدون بي في الصلاة؟
ـ وفي غير الصلاة.
ـ إذن..أنا قدوة، وأنتم المقتدون!
قال علي الحاج عبيد:
ـ لم أفهم!
فقال الشيخ محمد الحنفي:
ـ أنا فهمت.
فقال عليّ:
ـ فهّمني!
قال الشيخ الحنفي:
ـ ألم تسمع شيخنا القسام يردد هذه العبارة دائما:
فاستلم القسام الكلام وقال متابعاً كلام الشيخ الحنفي:
ـ إذا أردت أن تكون إمامي، فكن أمامي!!
وأنا إمامكم في الصلاة ، وفي غير الصلاة.. ولهذا سأكون أمامكم في البذل والتضحية بالنفس والمال والوقت والجهد، وفي كلّ ما أستطيع فعله.
قال الشيخ الحنفي:
ـ بارك الله فيك يا شيخنا.. أنت إمامنا وقدوتنا وقائدنا، ولكنني أعترض..
ـ على بيع البيت؟
ـ وعلى تهجير الأسرة الكريمة الى الحفة.
قال الشيخ، بعد أن اعتدل في جلسته:
ـ السيد عمر البيطار أعلن الثورة، يعني سبق العلماء إلى الجهاد، وما ينبغي لعلماء الدين أن يتقاعسوا عن اللحاق بثورته التي أعلنها في بلدة الحفّة.

وعندما أراد السيد علي الحاج أن يتكلم، قال الشيخ:
ـ الأمر مبتوت.. استخرت الله، وخار لي.. اختار لي الجهاد، وسوف تكونان معي، ولا داعي لضياع الوقت.. سنبيع البيت اليوم ان شاء الله، وسوف أرّحل أسرتي الأن الى الحفة، وفتّشوا عن قطع السلاح واشتروا بثمن البيت وأثاثه ما تستطيعون من سلاح.. هيّا قوما وأنجزا هذه المهمة بسرعة..

نهض الرجلان الصديقان الوفيّان، وغادرا البيت وهما يحوقلان، وأغلق الشيخ باب الدار، وعاد الى زوجته، فرآها منهمكة في حزم ألبستها وألبسة أطفالها في صرر متواضعة، فقال لها، والدموع ملء عينيه:
ـ أصيلة يا زوجتي الغالية!
فاستقبلته الزوجة المطيعة بعينين ضاحكتين، وقالت:
ـ لقد حلمت الليلة، أنك تسير في غابة(الفرلّق) مع فارس مهيب، ولّما رأيتني تركته وجئت إليّ، وقلت لي: هل تعرفين ذلك الفارس؟ إنه خالد بن الوليد، جاء يقاتل معنا الفرنسيين.. هيئي لنا الفطور.. ثم تركتني وذهبت إليه، وعندما حضّرت الفطور، قلت لي: جاءنا ضيف آخر.. جاءنا البطل صلاح الدين.. ثم أفقت على صوت إبريقك تتوضأ منه.
فتهلّل وجه الشيخ وقال في انفعال شديد:
ـ أبشري يا زوجة الشيخ عزالدين، فقد كتب الله السعادة لزوجك!
ـ لزوجي؟
ـ ولك أيضاً، ما دمت تساعدين زوجك وإخوانه المجاهدين..
وسكت الشيخ، لأنه لم يستطع متابعة الكلام، فقالت:
ـ أنا والأولاد مستعدّون للسفر.
فسأل الشيخ:
ـ أكلتم؟
ـ نعم.. أطعمتهم.. هيّا يا شيخ، لا تضيّع وقتك.



يتبع...



موال مثل الأجل



















التوقيع

الهي..تـركـت ما أحــب من أجـل ما تـُـحـب..
فاجعـل ما تـُـحـب هو كـل ما أحـب..
واكتـب لي فـعل ما تـُـحـب..
فحبــك غـاية ما أحــب..
رد مع اقتباس
قديم 18-07-2010, 01:54 PM   رقم المشاركة : 12
معلومات العضو
قمر
الدمع من شدة الالم يبتسم
 
الصورة الرمزية قمر
 
 

إحصائية العضو










قمر will become famous soon enough

قمر غير متواجد حالياً

افتراضي

جنينو متى بدك تحطي هديك الانشودة

على كل حال يسلمو


















التوقيع




رد مع اقتباس
قديم 18-07-2010, 03:41 PM   رقم المشاركة : 13
معلومات العضو
جنين
عضو خبير
 
الصورة الرمزية جنين
 
 

إحصائية العضو










جنين is on a distinguished road

جنين غير متواجد حالياً

افتراضي

اقتباس:
مشاهدة المشاركة المشاركة الأصلية كتبت بواسطة قمر 
جنينو متى بدك تحطي هديك الانشودة

على كل حال يسلمو
من عيوني اطلبي اني انشودة بدك ؟؟


















التوقيع

الهي..تـركـت ما أحــب من أجـل ما تـُـحـب..
فاجعـل ما تـُـحـب هو كـل ما أحـب..
واكتـب لي فـعل ما تـُـحـب..
فحبــك غـاية ما أحــب..
رد مع اقتباس
قديم 20-07-2010, 02:34 PM   رقم المشاركة : 14
معلومات العضو
جنين
عضو خبير
 
الصورة الرمزية جنين
 
 

إحصائية العضو










جنين is on a distinguished road

جنين غير متواجد حالياً

افتراضي



الجزء العاشر







لم تغب شمس ذلك اليوم، حتى بيع البيت، واشتريت الأسلحة، واستقرت أسرة القسام في بيت متواضع في الحفة، عند بعض الأقرباء.



وسُرَّ الشيخ بشراء أربع وعشرين بندقية، مع ذخيرة مناسبة، وإن تكن دون المطلوب، جهّز بها الشيخ مجموعة من أصدقائه وأقربائه وتلاميذه المخلصين، وانتقل بهم إلى الحفّة، ووضع نفسه تحت تصرف قائد الثورة: السيد عمر البيطار..






وصار القسّام يطوف مع صاحبيه في القرى، يحمّس الناس، ويدعوهم إلى الجهاد في سبيل الله، ويرغّبهم ويمنّيهم، ويبشّرهم بما أعدّه الله للمجاهدين والشهداء من عظيم الأجر والتكريم في الدنيا والآخرة، وكان يلقى استجابة من أكثر الذين يدعوهم، لأنهم جميعا يعرفونه، ويعرفون صدقه وإخلاصه، وكان خبر بيع بيته، وأثاث بيته، وشراء الأسلحة بثمنها، وقد شاع وذاع، وكان له أطيب الأثر في نفوس الناس جميعا، حتى أطلق بعضهم على الشيخ لقب(الرجل الرباني) و(ابن الآخرة) و(الشيخ المجاهد) الذي يسبق فعله قوله، والشيخ الذي خرج من دنياه كما دخلها، متوجِّها الى الله.



وكان الشيخ يدّرب المتطوعين في غابات الفرلّق وصلنفة وجبال اللاذقية،









وينظمهم في مجموعات صغيرة، وكان هو على رأسهم إحدى المجموعات المقاتلة، وتمكّن من القيام ببعض العمليات الناجحة ضدّ الفرنسيين، يكيل لهم الضربة تلو الضربة، ويتصل بالحكومة الوطنية في دمشق، بوساطة الشيخ كامل القصاب، ويطلب منها ومن الملك فيصل إمداده بالسلاح والذخائر والمعلومات التي تساعده في إحكام خططه، وكان يلقى استجابة طيّبة من الملك وحكومته، كما كان يتصل بالمجاهدين الثائرين في غوطة دمشق وفي حلب، حتى ذاع صيت هذا الشيخ الشاب المعمّم في سائر المدن والقرى السورية، وصار حديث المجالس، وكلٌّ يتحدث عن الشيخ كما يحلو له، وكما يخيل إليه ويتصور..







فالعمليات التي يقوم بها الشيخ لا تنقل كما هي، بل يُزاد عليها.. كان السوريون يتندرون بها كما هي ، ويحمّس بعضهم بعضا بروايتها، والتلذذ بالتفاصيل التي كانوا يخترعونها.. قال بعضهم: إنّ الخضر عليه السلام يقاتل مع الشيخ، وقال آخرون: بل الملائكة تقاتل مع الشيخ، وتحميه بأمر الله، وإلا، لما استطاع الشيخ مهاجمة دورية فرنسيةمن الخيالة، معها الرشاشات الآلية، وليس مع الشيخ وصاحبيه سوى ثلاث بندقيات، وبعض الطلقات، مع أنّ تلك الدورية كانت مؤلفة من عشرة أنفار وقائدهم، وليس مع الشيخ سوى الشيخ الحنفي وعلي عبيد... وقد قتلوا خمسة من أفرادها، وجرحوا قائدها، وفرّ الباقون، ناجين بأرواحهم.


وتحدّث الناس عن الكمين الناجح الذي نصبه الشيخ لدورية فرنسية من الخيالة، واستطاع أن يقتل اثنين منها، ولاذ الباقون بالفرار، تاركين الجثتين، فجاء الشيخ، ودفن الجثتين، وأخذ سلاحهما.






وكان القادمون من جبل صهيون والحفة أو من الساحل إلى حماة أو حمص أو حلب أو دمشق ، يتعرضون لأسئلة كثيرة حول الشيخ ودينه وورعه وأخلاقه، وحول جرأته في الحقّ، وشجاعته في المعارك، وكيف أنه لا يهاب الموت، وهو يهاجم أعداءه، حتى قال أحد القادمين إلى حماة: إنّ مجموعة الشيخ، تصدت لسرية فرنسية، وأوقعت بها، وقتلت عددا من أفرادها، فأمرهم قائدهم بحمل جثث القتلى التسعة عشر، وعادوا أدراجهم إلى ثكنتهم في اللاذقية، فتحمّس الشبان الذين تجمّعوا حول ذلك الرجل، وطلبوا منه أن يبين لهم الطريق الموصل إلى الشيخ، فقال لهم:


ـ صعب جدا.. الشيخ لا يثبت في مكان.. الشيخ حذر جدا وله أكثر من مكان في المغارات، وفوق الأشجار.



فسأل شاب تتّقد عينيه حماسة:


ـ فوق الأشجار؟


ـ نعم.. كما تبني النسور أعشاشها، يبني الشيخ بيوته.


وقال التاجر الذي كان يجري الحديث في دكانه:


ـ كنت أريد إعطائك بعض المال والبرغل والسكر والرز للشيخ؟؟


أجاب الرجل الساحلي:


ـ صعب جدا يا حاج.. أنا لا أعرف مكانه!


ـ طيب.. خذها، ثم فتّش عن مكانه، فإذا عرفته، فخذها وسلّمها إليه، وسلم لنا عليه، وقل له: كلنا ندعو لك.


قال الرجل:


ـ ولماذا لا تفعلون مثل الشيخ؟


ـ ومن سيقودنا؟


ـ أنتم اعزموا وتوكلوا !


وهتف الشابّ صاحب العينين المتّقدتين:


ـ هذا هو الكلام الصحيح... أن نعمل كما عمل الشيخ عز الدين.


وقال شاب آخر، يبدو أنه أخو ذلك الشاب المتحمّس، لأنه يشبهه كثيرا:


ـ عندنا مشايخ، ولا بد أن يكون بينهم مثل الشيخ القسام.


قال الرجل الساحلي:


ـ أحسنت يا أخي.. فالشيخ القسّام شيخ، وليس ضابطا، ومع ذلك، دوّخ الضباط الفرنسيين وعساكرهم...


قال الشاب:


ـ هل تسمح لي يا أخي بكلمة على انفراد؟


فانسحب الرجل الساحلي من بين الناس، فالتقم الشاب إحدى أذنيه وقال له:


ـ حديثك، يا أخي، يدّل على أنك تعرف الشيخ القسام.


ـ طيب.. ماذا تريد؟


ـ أريد أن تصحبني وابن عمي صاحب العينين الحمراوين معك...


خذنا إليه يا أخي.



فهمس الرجل في أذنه:


ـ جهز نفسك.


ـ متى؟


ـ بعد ساعة، نلتقي في جامع السلطان!


ـ ومعي ابن عمي؟


ـ ومعك ابن عمك..



وبعد أيام، شاع في المدينة ، أنّ ذلك الرجل الساحلي الذي جاء في هيئة فلاح، كان هو القسّام نفسه، وقد اصطحب معه عددا من شباب حماة، قال بعضهم: كانوا عشرة شبان، وقال آخرون: بل كانوا مئة شاب، فقال التاجر الحمويّ الذي حمّل ذلك الرجل والشابّين بعض المواد التموينية والمال:


ـ على أي حال.. ذهب معه الشابّان الأشقران على أقل تقدير..


زاروني في بيتي بعد صلاة العصر، وتغدى الرجل عندي دون الشابين، وقال لي: أما زلت مصرّا على تزويد القسام ببعض الأشياء؟


ثم أعطيتهم مافيه النصيب من مؤونة البيت وبعض المال، وقال لي الرجل قبل أن يودعني:


ـ وصل سلامك إلى القسام، والقسام يسلم عليك


قال التاجر: فوقفت مبهوتا، وتساءلت في نفسي كيف وصل سلامي إلى القسام؟ وكيف أرسل القسام سلامه إليّ؟


لا بدّ أنّ ذلك الفلاح الساحلي هو القسام نفسه، أو هو أحد رجاله المقربين، والقسام كان في حماة نفسها...


وتحرك بعض الشبان في حماة، وتحمس بعض المشايخ، ودعا بعضهم للشيخ القسام على المنبر، وفي الدروس في المساجد، ونشط بعضهم في حملة تبرعات بينما حاول شبان آخرون القيام ببعض الأعمال العسكرية، كالتدريب على القتال بالسكاكين والسيوف، وكاقتناء بعض المسدسات والبنادق والالتحاق بثورة عمر البيطار والقسام في الساحل، أو بثورة إبراهيم هنانو في حلب.




وتحدّث أهل حمص عن زيارة سريّة قام بها الشيخ القسام لمدينتهم، وكان متنكرا في زي شيخ صوفي من مشايخ الريف، وأنه اشترى بعض المواد التموينية، والتقى بعض المشايخ، وحرّضهم على الثورة، وأنّ بعض مشايخ حمص بايعوه على الجهاد في سبيل الله وعاهدوه على أن يزودوه بالمال والسلاح والرجال إن استطاعوا.







وهكذا تعاظمت هذه الثورة، حتى ضاق المستعمرون الفرنسيون فشّنوا حملات مكثفة على معاقلهم في الحفة وجبل صهيون، وفي غابات صلنفة والفرلّق، وصارت تطارد كلّ من تشكّ في صلته بالقسام والبيطار، وقطعت عنهم الامدادات، من طعام وذخيرة، مما أدّى الى ضعف ثورة البيطار ثم توقفها، والشيخ القسّام يرى ويسمع عن تراجع حليفه البيطار، فما زاده ذلك إلا تصميما على القتال، وعدم الاستسلام للقوات الفرنسية، التي عرضت عليه عروضا مغرية، ولكنه احتقرها ورفضها، فأصدرت أحكاما بالاعدام عليه وعلى بعض رجاله، ولكنه لم يأبه لتلك الأحكام، واستمر في نشاطه الجهادي، على قلة ما عنده من سلاح وذخائر ورجال، وعلى الرغم من الإشاعات بعد سقوط الملكية، ومغادرة الملك لسورية، واحتلال الفرنسيين للمدن الداخلية.




وفكّر الفرنسيون من جديد، بمفاوضة الشيخ القسام، وعرضوا عليه إلغاء أحكام الإعدام التي صدرت بحقّه وحقّ زملائه، وعرضوا عليه المال والمنصب، ولكن شموخ الاسلام، أبى عليه أن يرضى بتلك العروض، وعدّ أيّ تنازل خيانة للدين والوطن، لأنه لم ينس تعريف جمال الدين لخائن الوطن والدين.



وذات مساء، وفيما كان في بيت سرّي لأحد المجاهدين المستورين سأله علي الحاج عبيد:


ـ حتى متى، يا مولانا، نبقى هكذا؟


فتشجع الشيخ الحنفي وقال:


ـ لم يبق عندنا تموين، والذخيرة نفدت ولم يبق منها إلا القليل، والقرية التي نكون فيها تتعرض للنهب والتنكيل، والحصار مضروب علينا من كل جانب، والمخبرون الساقطون الخونة، يتسقطون أخبارنا لقاء دريهمات يأخذونها من الفرنسيين.. فما العمل؟


قال الشيخ بسرعة:


ـ نهاجر.


ـ إلى أين؟


ـ إلى فلسطين..





ـ إلى فلسطين؟


ـ نعم .. إلى فلسطين.. فالمؤامرة كبيرة جدا على فلسطين، والانكليز الخبثاء يمهدون لليهود، لاغتصابها من أهلها.


فسأل علي الحاج عبيد:


ـ وهل يمكن هذا يا مولانا؟


أجاب الشيخ:


ـ وإن كنت لا أدري ماذا تعني بسؤالك، فإني أقول لك: سفرنا إلى فلسطين ممكن، وقيام دولة لليهود في فلسطين ممكن، إذا لم نقف في وجه الانكليز واليهود ومخططاتهم.


فعاد عليّ يسأل:


ـ إذا كان لا بدّ من الاستمرار في حمل السلاح، فما رأيكم في البقاء هنا، والدفاع عن أرضنا، وتحرير بلادنا من المحتلين الفرنسيين؟


فقال الشيخ:


ـ كلّها بلادنا.. سورية، فلسطين، مصر، العراق، تركيا، الحجاز.. كلها بلاد إسلامية، والدفاع عنها واجب، والدفاع عن فلسطين أشدّ وجوبا.


ـ لماذا يا شيخ عزالدين؟


ـ لأنها أرض مقدسة، فيها القدس الشريف والمسجد الأقصى وقبة الصخرة وخليل الرحمن.. إنها أرض الأنبياء، ومسرى الرسول العظيم محمد صلى الله عليه وسلم، ومنها عرج إلى السماء، ليدّلنا على أهميتها وعلى قدسيتها.. إنها أرض مباركة، أرض الآباء والأجداد وترابها مجبول بدماء المجاهدين من الصحابة والتابعين فهل يجوز أن نتركها لقمة سائغة لأولئك الكفار؟




ـ لا يا مولانا .. لا يجوز..


فقال الشيخ:


ـ إذن.. فاستعدوا للرحيل.


فسأله الشيخ الحنفي عمّا إذا كانوا سيصحبون معهم سواهم، أم يقتصر الرحيل عليهم؟ فأجاب القسّام بسؤالهما:


ـ ما رأيكم أنتم؟


قال الشيخ الحنفي:


ـ أرى أن يكون معنا بعض الشبان الموثوقين.


ـ مثل من؟


ـ مثل أحمد إدريس، والحاج خالد القسّام، وظافر القسّام مثلا.


وقال علي الحاج عبيد:


نسيت عبدالملك القسام يا شيخ محمد.


فنظر الشيخ محمد الى الشيخ عزالدين، يستطلع رأيه، فهزّ الشيخ عزالدين رأسه بالموافقة، وسأل:


ـ هل فاتحتموهم؟


فسأل الحنفي:


ـ وهل كنّا نعرف ما يدور برأسك يا مولانا حتى نفاتحهم؟


فعاد الشيخ عزالدين يسأل:


ـ هل أنتم واثقون منهم كل الثقة؟


ـ اسأل نفسك يا مولانا، فأنت أعرف بهم منا.


قال القسّام:


ـ بارك الله فيكم وفيهم.. كلكم أهل للثقة والفخر.


ـ هل نفاتحهم؟


ـ فاتحوهم فإذا وافقو فليستعدوا.


ـ ومتى سيكون السفر؟


قال الشيخ عزالدين بصوت خفيض، كأنه يخشى أن يسمعه أحد غيرهما:


ـ بعد أيام.. الشيخ كامل القصّاب يرتب أمر السفر ولكن في سرية وكتمان.. فاستعينوا بالكتمان.


نهض الرجلان في نشاط ، وودعهما الشيخ، ووقف ينظر إليهما حتى ابتلعتهما العتمة، ثم شخص ببصره الى السماء وابتهل: اللهم احفظهم... اللهم كثّر من أمثالهم.




يتبع....





أنشودة فلسطين يا أرض العرب























التوقيع

الهي..تـركـت ما أحــب من أجـل ما تـُـحـب..
فاجعـل ما تـُـحـب هو كـل ما أحـب..
واكتـب لي فـعل ما تـُـحـب..
فحبــك غـاية ما أحــب..
رد مع اقتباس
قديم 20-07-2010, 09:37 PM   رقم المشاركة : 15
معلومات العضو
جنين
عضو خبير
 
الصورة الرمزية جنين
 
 

إحصائية العضو










جنين is on a distinguished road

جنين غير متواجد حالياً

افتراضي








الجزء الحادي عشر



وفي اليوم المحدّد، تسلل الشيخ القسّام مع إخوانه الستة، وسَرَوا ليلا نحو جبل الزاوية الذي لا يبعد كثيرا عن جبل صهيون والحفّة، وعندما طلع عليهم الفجر هناك، صلوا الصبح ثم أووا الى صخرة، فناموا بلصقها، لتحميهم من حرّ شهر آب اللّهاب، ولكن عيني القسام كانتا عصيّتين على النعاس، فلم تغمضا، كما أن قلبه وسائر حواسه كانت يقظة، تنتبه لكل حركة قد تصدر من نسمة ريح على عشبة يابسة، أو لحركة حيوان بري، فقد شاهد أرنبا يطارده ثعلب، ففكّر بقتل الثعلب المعتدي، ولكنه كفّ عن ذلك، لأنه خشى أن ينتبه لهم بعض الفلاحين، كما أنّه سوف يرّوع أصحابه النائمين. ولكنه عندما شاهد الثعلب يتمكّن من الأرنب،


صاح الشيخ: لا حول ولا قوة الا بالله. فأفاق الحنفي، ونظر نحو الشيخ الذي كان واقفا يضرب كفّا بكفّ، وعندما استفسر منه، وحكى له الشيخ، انفجرا معا بالضحك، وقال القسّام:
ـ مسكين ذلك الأرنب.
فقال الحنفي:
ـ والثعلب جائع، فهو مسكين، ونحن جائعون، فنحن مساكين.
ـ يعني.. هل كنا نحن أولى بالأرنب من الثعلب، يا شيخ محمد؟
أجاب الحنفي، مغيرا مجرى الحديث:
ـ يبدو أنّك لم تنم يا مولانا؟
ـ هل يظهر علي التعب؟
فابتسم الشيخ الحنفي، وقال له:
ـ لا يا مولانا.. الظاهر عليك هو الإعياء.. الإعياء الشديد.. وليس التعب.
فابتسم القسام بدوره، لهذا الأسلوب الجميل، وقال له:
ـ هل كان من المناسب أن ننام جميعا بلا حراسة؟
ـ لماذا لم تقل هذا؟ كنت أنا أحرسكم.
فقال القسّام:
ـ أو أنا.. أم أنك نسيت يا شيخ محمد أننا أخوة في الله، متكافلون متضامنون، في البأساء والضراء، وفي كل الأحوال؟



قال الحنفي:
ـ لا... لم ولن انسى ذلك ما حييت، وأرجو من الله الكريم، أن يديم علينا نعمة هذه الأخوة، وأن يرزقنا الشهادة في سبيله، لنكون معا، في الفردوس الأعلى.
فقال الشيخ عزالدين: آمين.. وكانت خارجة من أعماقه.
واستيقظ بقية الصحب على حوار الشيخين، وعلى الرغم من أنهما كانا يتحدثان بأصوات مهموسة، وعلى بعد أمتار من النائمين..
وهبّ الجميع يهيّئون الفطور مما كان عندهم من زاد، بينما جاءهم ابن العبيد ببعض الحشائش البريّة اللذيذة، كحشيشة الزعتر، والخبيزة، والنعنع، فكان فطورا شهيا، فأكلوا حتى الشبع والامتلاء، وحمدوا الله تعالى على هذه النعم، فقال الشيخ أحمد إدريس : ولتسألنّ يومئذ عن النعيم.

وعندما توارت الشمس خلف جبال اللاذقية، صلّى الشيخ عزالدين بهم جماعة، ثمّ يمّموا شطر جسر الشغور، وتعشوا هناك عند أحد المجاهدين المستورين وباتو عنده، وفي المساء، بدؤوا يجهزون أنفسهم لمغادرة بلدة الجسر، وفي العتمة ، خرج الشيخ وصحبه، وتوجهوا نحو بيروت، وانطلقوا يخّبون على أقدامهم، غير مكترثين بوعثاء الطريق ومشاقه ومخاطره.
ولم يكادو يستقرون في بيروت، ويختلطون بالناس، حتى عرفوا أنّ أحكام الإعدام الصادرة على القسام وإدريس، على كل لسان، كما عرفوا أنّ مقامهم في بيروت شبه مستحيل، لأن المخبرين المتعاونين مع الفرنسيين كثر، ولأن الفرنسيين يحكمون بيروت، كما يحكمون اللاذقية، وقد يتمكنون من القبض عليهم.


قال القسام لأصحابه:
ـ أرى أن نغادر بيروت متنكرين، كما دخلناها متنكرين.
ـ إلى أين؟
ـ إلى فلسطين.. ألم تكن فلسطين وجهتنا؟
ـ بلى.
ـ إذن.. سوف نغادر بيروت مساء غد.. والأخ ظافر والأخ علي يؤمّنان احتياجات الرحيل.
فسأل ظافر:
ـ والطريق الذي سوف نسلكه، هل هو كالطريق الذي قطعناه مشياً على الأقدام؟
أم سنسافر في زورق صيد، أو سفينة سوف ترسي في حيفا؟




قال الشيخ:
ـ سوف نغادر إلى صيدا، فنستريح قليلا، يوما أو بعض يوم، ثم نغادرها إلى عكا، ونستريح فيها قليلا...
فقال الشيخ أحمد إدريس ضاحكا ومتابعا:
ـ يوما أو بعض يوم، ثم نغادرها الى حيفا.. أليس هذا هو طريقنا الذي سنسلكه يا مولانا؟
فابتسم الشيخ عزالدين، وقال، مشيرا الى الشيخ أحمد إدريس:
ـ هذا أخوكم الشيخ أحمد إدريس هو الدليل .. سوف يصحبنا الى عكا، ومن عكا الى حيفا كما قال.
فسأل أحمد إدريس:
ـ ولكن.. من سيؤمن لنا الطريق؟ نحن أم الرجل الطيب الذي هيأ لنا كل أسباب الراحة في هذا المسجد الجميل؟
قال القسام:
ـ لا بأس أن تعلموا، أن الحاج خليل الذي ساعدنا في تأمين الاقامة في هذا الجامع العمري، سوف يساعدنا في الوصول الى صيدا.. هذه هي تعليمات الشيخ كامل القصاب..

وقام المجاهدون الى أماكن نومهم، في المسجد، ولكنّ الشيخ عزالدين بقي في مجلسه، يرهف السمع لوقع خطوات قادم، وقال في نفسه: لا بدّ أنه الحاج خليل سكّر.. وعندما سمع ثلاث نقرات على الباب، نهض الشيخ القسام مسرعا، وفتح له الباب، ثم انتحى به زاوية، أطلعه فيعا غلى مجريات الامور في بيروت وعن الترتيبات التي اتخذها لسفرهم مساء غد. فسأله القسام:
ـ هل آخذ معي جواز السفر؟
فسأله الحاج خليل:
ـ إذن.. لماذا سافرت إلى دمشق والتقيت صديقيك التنوخي وعرّضته للخطر باللقاء بك، ثم بتأمين جواز سفر لك؟
قال القسام:
ـ أنا لم أعرّضه لأي خطر، لأن رحلتي إلى دمشق كانت سرّية، لا يعرفها غيرك، وكنت متنكرا في الذهاب والإياب!
فقال الحاج خليل:
ـ وإذا لم تأخذ جواز سفرك لتستفيد منه أنت، فمن يستفيد منه؟
فقال القسام ضاحكا:
ـ يا حاج خليل.. لم كلّ هذا الكلام؟ قل لي: خذ جوازك معك، وكفى، وسوف تراني ألتزم أمرك، وأخبئه في عبّي، وأتوكل على الله.
فتضاحك الحاج خليل وقال:
ـ الدراسة علّمتنا المماحكة، والنقاش، بطعمة وبدون طعمة!
وسكت لحظات ثم قال:
ـ غدا، بعد صلاة العشاء، تكونون مستعدين، وسوف يكون الحنطور أمام مسجد الإمام الأوزاعي.
ـ وهل ستكون هناك؟
ـ بل سوف أودعكم من هنا، وان كنت سأكون هناك في وداعكم، ولكن من بعيد... أراكم ولا ترونني. هذه هي تعليمات الشيخ كامل، حفظه الله.
فقال القسام:
ـ إذن.. سوف يحملنا الحنطور الى صيدا
ـ وفي صيدا سوف يؤمّن لكم الأخ الذي ستنزلون في ضيافته، قارب صيد يحملكم إلى عكا، إن شاء الله، وسوف يتصل بكم من يحملكم إلى حيفا إن شاء الله.
فقال الشيخ عزالدين في سهوم:
ـ إن شاء الله.. وبورك فيك وفي شيخنا القصاب!
ثم نهض الحاج خليل، وودّع الشيخ القسام، ثم ودّع الآخرين وخرج.


يتبع..




أنشودة ومهاجر في الله


















التوقيع

الهي..تـركـت ما أحــب من أجـل ما تـُـحـب..
فاجعـل ما تـُـحـب هو كـل ما أحـب..
واكتـب لي فـعل ما تـُـحـب..
فحبــك غـاية ما أحــب..
رد مع اقتباس
قديم 23-07-2010, 03:25 PM   رقم المشاركة : 16
معلومات العضو
جنين
عضو خبير
 
الصورة الرمزية جنين
 
 

إحصائية العضو










جنين is on a distinguished road

جنين غير متواجد حالياً

افتراضي




الجزء الثاني عشر



وصل الشيخ القسّام وصحبه إلى حيفا عصر يوم الجمعة، من أيام شهر أيلول 1920 وأدّوا صلاة المغرب في جامع الجرينة،




وبعد الصلاة ، قدّم الشيخ القسام درسا بليغا استأثر باهتمام المصلّين، فقد لفت الشيخ أنظارهم الى مجموعة من المعاني الإسلامية التي لم يسمعوها من أيّ شيخ من مشايخهم، واستمرّ الدرس حتى أذان العشاء، فما كان من الإمام الذي استمع إلى درس الشيخ وأعجب به أيّما إعجاب – إلا أن يقدّم الشيخ القسام ليؤم الناس، وقد تأثر الناس بتلاوة الشيخ القسام، وبصوته الحنون،
وعندما بكى وهو يتلو آيات قرآنية من سورة الفجر: (فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ(15)وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ(16)) بكوا لبكائه، وعندما تلا قول الله تعالى: (كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكّاً دَكّاً(21)وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً(22)وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى(23)يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي(24)فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ(25)وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ(26)) بكى الشيخ حتى علا نشيجه، وبكى معه الناس، وكانت هذه الصلاة فريدة من نوعها، وفي حياة هؤلاء المصلّين، فهم لم يعتادوا على البكاء في الصلاة، ولكنّ الخشوع أخذ منهم كل مأخذ،


وعندما سلّم الشيخ هجم عليه المصلون يسلّمون عليه ويتعرّفون إليه، ويدعونه إلى بيوتهم، ليتعشى ويبيت، والشيخ يعتذر لهم ويعدهم بأن يزورهم واحداً واحداً في بيوتهم، في الأيام القادمات.
ونهض الشيخ ليتمّ صلاته، ونهض معه الناس إلى صلاة السنة والوتر، ثم انصرفوا من المسجد، ولم يبق سوى الشيخ وصحبه، فتقدّم منه قيّم المسجد، ودعاهم إلى المبيت عنده في شقته المتواضعة، فقبل الشيخ، ونام الجميع على الحصير، وهم يحمدون الله على هذا التوفيق، ولكنّ الشيخ الحنفي نغّص عليهم سعادتهم، عندما قال:
ـ سامح الله أخانا أحمد إدريس.. لو أنه جاء معنا، ولم يعد إلى سورية.
فقال الشيخ القسّام:
ـ لقد ركب رأسه، وصدّق مزاعم الفرنسيين بالعفو عنه..
فسأل ظافر:
ـ هل تعتقدون بأنهم سوف يقتلونه؟
فأجاب الشيخ عزالدين:
ـ وأرجو من الله أن يعفو عنه، ويكتبه عنده من المقبولين.
فسأل علي الحاج عبيد:
ـ ألا يكون من الشهداء إذا قتلوه؟
أجاب الشيخ:
ـ أرجو من الله، أن يقبله شهيداً.. إنه رجل طيب..
ومخلص... ومجاهد شجاع
فقال علي العبيد:
ـ ولكنه أبطل عمله، بوثوقه بأعداء الله.
فقال له الشيخ عزالدين:
ـ لا تقل هذا يا أخي.. وادعوا لأخيكم بالقبول عند الله.
وقال عبدالملك القسّام، وهو مستلق فوق الحصير:
ـ والأسرة يا شيخ عز الدين؟
فتسائل الشيخ عزالدين عن أيّ أسرة يتحدث عبدالملك، فهناك أسر كثيرة، فأجاب:
ـ عن أسرتك يا شيخ أم أنك نسيت أن لك أسرة؟!.
قال الشيخ: الأمر بسيط..
ـ كيف؟
ـ إنها مرتاحة في الحفّة عند الأهل.
فسأل عبد الملك: أيّ أهل؟
فقال الشيخ: كلّ أهل الحفّة وأهلها وأهلنا يا عبدو .
فسأل الحاج خالد:
ـ ألا تسمح لنا بالتصرف يا شيخ عزالدين؟
ـ كيف؟
ـ يعني .. بإمكاننا إحضارها، بوساطة.
فقاطعه الشيخ قائلاً:
ـ لا يا شيخ.. نحن نعتمد على الله في سائر أحوالنا، ولا يجوز لنا أن نطلب شيئاً من المتعاونين مع الفرنسيين.
قال خالد:
ـ لا بدّ ممّا ليس منه بدٌّ يا شيخ عزالدين.
أجاب الشيخ بحدّة:
ـ بل منه ألف بدّ.. مالم يكفّ أولئك الخونة عن التعامل مع الأعداء الفرنسيين، فلن يكون بيننا وبينهم أيّ كلام.. حتى السلام لن نلقيه عليهم.
ـ ولكنّهم يحبّونك، ويريدون خدمتك!.
فأكّد لهم الشيخ أنه لا يحبّهم ، ولا يلومهم إذا لم يحبّوه، فهم في طريق جهنم.. طريق الخيانة، وهو يسير في طريق الجنة، ولهذا فهو يرفض التعامل معهم، وليحتفظوا بحبهم لأسيادهم الغرباء، وهو وكلّ مجاهد، وكلّ المجاهدين يرفضون أيّ مساعدة تأتي عن طريقهم، ما داموا يخدمون المحتلين، ويوقعون بأبناء دينهم، وأبناء جلدتهم، وأبناء وطنهم..



ثم استلقى على ظهره، وأغمض عينيه، وهو يقول:
ـ ناموا الآن يا إخوة، واستريحوا، وكونوا متوكلين على الله حقّ التوكل، يحلّ لكم كل مشكلاتكم.
فقال علي العبيد:
ـ لنا مشكلة واحدة، هي أولئك المحتلون...
فابتسم الشيخ، ولم يردّ عليه، بل قال:
ـ أطفئوا السراج إذا سمحتم ... نريد أن ننام.




يتبع....




أنشودة عدي من فوق جراحك


















التوقيع

الهي..تـركـت ما أحــب من أجـل ما تـُـحـب..
فاجعـل ما تـُـحـب هو كـل ما أحـب..
واكتـب لي فـعل ما تـُـحـب..
فحبــك غـاية ما أحــب..
رد مع اقتباس
قديم 23-07-2010, 03:45 PM   رقم المشاركة : 17
معلومات العضو
جنين
عضو خبير
 
الصورة الرمزية جنين
 
 

إحصائية العضو










جنين is on a distinguished road

جنين غير متواجد حالياً

افتراضي

الجزء الثالث عشر





وفي مساء اليوم التالي، وبعد أن أدَّوا صلاة العشاء، جلس الشيخ مع أصحابه، وقال لهم:
ـ سوف نفتش لنا عن بيت متواضع، لنسكن فيه.
فسأل الحاج خالد:
ـ متى يا شيخ عزالدين؟
ـ غدا إن شاء الله بعد الفطور، تذهب أنت يا سيد خالد، مع قيم المسجد، للتفتيش عن بيت.. واعتباراً من الغد أيضاً، سوف يفتش كلّ واحد منا عن عمل، لنعتاش منه.
فعاد خالد إلى موضوع الأمس، وسأل:
ـ والأسر؟
ـ فطمأنه الشيخ قائلاً:
ـ ومن يتق الله يجعل له مخرجاً، ويرزقه من حيث لا يحتسب.
صدق الله العظيم.... وأحسبكم جميعاً، يا أخوة، من الأتقياء الصالحين. ولسوف يسّخر الله لنا، من يأتينا بزوجاتنا، وأولادنا..
والمطلوب.. هو الصبر.. أن نصبر قليلاً حتى يأتينا الفرج.


وفيما هم يسمرون ويتحدثون، إذا بالباب يقرع، فأسرع علي العبيد يفتح الباب، وإذا رجلٌّ من روّاد المسجد، تبدو عليه سيماء الصلاح، فرحّب به العبيد، ودعاه للدخول، فدخل ، ووجهه مطمئن، وعيناه حالمتان، فهّب الشيخ وإخوانه للسلام عليه، والترحيب به، وعندما استقرّ به المقام قال:
ـ معذرة يا فضيلة الشيخ، حضرت بدون استئذان، وبدون موعد سابق!
فأعاد الشيخ ترحيبه به، وقال:
ـ وهل بين الإخوة تكليف؟
فقال الرجل الوقور:
ـ على سنة أبينا إبراهيم عليه السلام : وما أنا من المتكلّفين.. وقد قلتها أنت يا فضيلة الشيخ.
فقال الشيخ مبتسماً:
ـ اسمي عزالدين القسام.. وليس بين الإخوة رسميّات في علاقاتهم مع بعضهم البعض.
قال الرجل الوقور:
ـ الحمدلله يا شيخ عزالدين.. أنت تسّهل عليّ مهمتي.
قال الشيخ عزالدين:
ـ أيّ مهمة يا أخي؟
ـ أتتقبلوا دعوة أخيكم الفقير إلى الله، المحتاج إلى صداقتكم وأخوتكم وعلمكم.
ـ لم أفهم.
ـ بل فهمت يا شيخ عزالدين.. نحن إخوة في الله، والأخ لا يرّد دعوة أخيه.
ـ أرجو أن تفصح يا أخي!
قال الرجل الوقور:
ـ عندي بيت فيه ثلاث غرف، بامكانكم أن تسكنوه.
قال الشيخ عزالدين:
ـ كنا نتحدث قبل قليل عن استئجار بيت يتسع لنا.. بيت متواضع، في حي متواضع من ضواحي حيفا.
قال الرجل:
ـ بل تنزلون عندي ضيوفاً الى ما شاء الله!.
قال الشيخ:
ـ الضيافة ثلاثة أيام، أمضينا منها اليوم ويوم أمس، وغدا نرحل إلى بيتنا الجديد إن شاء الله!.
فمدّ الرجل الفاضل يده إلى عبِّه، وأخرج صرّة نقود، وقدّمها للشيخ على استحياء، فردّها الشيخ شاكرا له صنيعه هذا، وقال في ودّ:
ـ نحن شباب والحمدلله، والعمل شرف للرجال، والإسلام يأمرنا بالعمل، وجزاك الله كلّ خير يا أخي، فقد حصل لك الأجر إن شاء الله!
وعندما خرج الرجل الفاضل، وخرج معه الشيخ مودّعا، حاول إعطاءه الصّرة من جديد،وهو يقول:
ـ خذها يا سيدي الشيخ الفاضل، وعندما تعملون تردّونها إلي!.
ولكنّ الشيخ أصرّ على إعادتها، لأنّ معهم ما يكفيهم، وقال له:
ـ حصل لك الأجر إن شاء الله تعالى يا أخي!.
وعاد الشيخ الى اخوانه وهو يقول:
ـ يبدو أن الشيخ كامل عرف كيف يختار.
فسأله الشيخ الحنفي:
ـ يختار ماذا؟
ـ يختار لنا حيفا للإقامة فيها، والانطلاق منها، للجهاد في سبيل الله، فأهلها، كما لاحظتم، ناس طيّبون جداً، والله أعلم.
فقال الحاج خالد:
ـ هذا واجبهم تجاه ضيوفهم يا شيخ عزالدين.. كلّ العرب يكرمون ضيوفهم مثل إكرامهم وزيادة.
قال الشيخ عزالدين:
ـ ما شهدنا إلا بما علمنا، وما كنا على الغيب بحافظين!
قال الحاج خالد:
ـ هل تذكر أفواج اللاجئين الذين لجؤوا إلينا، هاربين من الحرب، وأحيانا هاربين بأرواحهم ونسائهم وأولادهم من الفتن والحروب الأهلية والمشاجرات؟

ألم نستقبلهم نحن؟ ألم تستقبلهم أسرنا وعائلاتنا؟ مع أنهم ليسوا مثلك من العلماء ولا من المجاهدين!.
وقال الشيخ الحنفي:
ـ إكرام الضيف واجب، ولكن.. ليس كلّ الناس يقومون بهذا الواجب.. بعضهم يتهرّب منه.. وبعضهم يشكّك بالغرباء..
فسأل علي العبيد:
ـ حتى لو كانوا علماء مثل الشيخ عزالدين؟
ـ حتى لو كانوا من العلماء الذين يرتاح المرء لهم، ولهيئتهم، ولنور الإيمان في وجوههم.. بل حتى لو كانوا يعرفونهم، وكانوا من إخوانهم..
فرفع الشيخ عزالدين يده، وأشار بكفّه أن يكفّوا، ثم قال:
ـ يا أخوان.. الناس معادن.. فيهم الأصيل كالذهب الإبريز، وفيهم الوضيع والخسيس كالتنك... والتعميم مرفوض، ولكل قاعدة شواذ.. فليس كل العرب كرماء، وليس كلّ أهل جبلة أحاب أريحية وكرم، ولكن الصفة الغالبة على أبناء شعبنا هي صفة الكرم... والأخسّاء قلّة نادرة.. والظاهر أنّ أهل حيفا كأهل جبلة في الكرم، وفي استقبال الصيوف وإكرامهم.. فهذا الرجل الفاضل جاء يعرض علينا ضيافته في بيته، ثم عرض علينا المال، وعندما خرجت أودّعه، ألحّ عليّ في قبوله، ولو على سبيل القرض الحسن.. أفلا نشكر له صنيعه هذا؟
قال الحاج خالد:
ـ من لم يشكر الناس لم يشكر الله... نحن نشكره على الواجب الذي قام به تجاهنا يا شيخ عزالدين، كما نشكر قيّم هذا الواجب على استضافته لنا، على ألاّ نبالغ، حتى لا تصدم إذا واجهنا خسيساً ما.
قال الشيخ عزالدين:
ـ لن نقابل إلا ركاماً إن شاء الله. والشيخ كامل يعرف أهل حيفا جيداً، وهو مااختارها لنا عبثاً، لأنه سوف يلحق بنا، ويكون معنا مجاهدا ومعيناً إن شاء الله، وسوف نغضّ الطرف عن الهفوات التي سوف تصدمنا، لأننا أصحاب رسالة.
قال الحاج خالد:
ـ أعانكم الله.. وسوف ترون من يقف في طريقكم، ويرفض جهادكم معه، زاعما أنّ أهل مكة أدرى بشعابها!.
قال الشيخ عزالدين:
ـ لن نأبه بالتافهين من أصحاب هذا القول، ففلسطين في أعناق كلّ المسلمين، وليست ملكاً لفلان أو علاّن من الجاهلين أو الغافلين أو المتسلّقين.. نحن أهل مكة، ونحن أهل حيفا والقدس، ونحن أهل فلسطين.. بهذه الروح نتغلّب على التافهين والحاسدين، نتسامح معهم من أجل أداء رسالتنا الجهادية.. لا نطمع بما في أيديهم، ولا نزاحمهم على منصب، ولكننا ننافسهم في الجهاد، وفي دعوة الناس إلى التصدّي للإنكليز واليهود وأعوانهم...



يتبع..


أنشودة حي الله رجال فلسطين


















التوقيع

الهي..تـركـت ما أحــب من أجـل ما تـُـحـب..
فاجعـل ما تـُـحـب هو كـل ما أحـب..
واكتـب لي فـعل ما تـُـحـب..
فحبــك غـاية ما أحــب..
رد مع اقتباس
قديم 27-07-2010, 10:39 PM   رقم المشاركة : 18
معلومات العضو
جنين
عضو خبير
 
الصورة الرمزية جنين
 
 

إحصائية العضو










جنين is on a distinguished road

جنين غير متواجد حالياً

افتراضي



الجزء الخامس عشر



برغم الصعوبات والمشاق التي كان يواجهها القسام وصحبه، وكانت تبدو عليهم السعادة، خاصة بعد أن جاءتهم أسرهم من سورية، فقد تبرع سائق من بيروت فأدخل أسرة الشيخ في جواز سفره، وعبر بها إلى حيفا، كما قام بعض الأصدقاء السوريين بمهمة إحضار الأسر الأخرى.


ونزلت كل تلك الأسر في بيت واحد،، لأنهم لم يكونوا يملكون أجرة بيت لكل أسرة، وكانت سكناهم في الحيّ القديم من حيفا وهو حي شعبي يقطنه العمال والفلاحون الفقراء الذين جاؤوا من قراهم التي استولى عليها اليهود القادمون من الخارج بمساعدة الانجليز.

وقد أبدى الشيخ اهتماما كبيرا بأولئك الفقراء الأميين، فعمل على تحسين أحوالهم المعيشية، وعلى الارتفاع بعقولهم وعواطفهم، واهتماماتهم..
وفتح لهم مدرسة ليلية، ليست أكثر من غرفة متواضعة، كان يعلمهم فيها القراءة والكتابة، ويبثّ تعاليمه الجهادية خلال تلك الدروس، فأحبّه هؤلاء البسطاء الفقراء حبّا عظيما، في فترة زمنية قياسية.

كان وقت الشيخ مكتظا بالعمل، ففي النهار يعمل إماما لمسجد ويلقي دروسه فيه ويزور الناس في بيوتهم ومحلاته وأماكن عملهم، وفي الليل يعلّم الأميين، ولا يكاد يتفرغ لبيته، كأنه كان يسابق الزمن والأجل، وهو يقارن بين الجهود التي يبذلها الفلسطينيون والعرب، من أجل فلسطين... كان يرى الفروق الكبيرة بين الفئتين المتنافستين فقد كان أهل الحقّ جهلة ومتقاعسين، وأهل الباطل لا ينامون في سبيل باطلهم...
وأشدّ ما حزًّ في نفسه، إصرار الحاج خالد على العودة إلى سورية، ليتابع جهاده هناك، ويقدم للشيخ وإخوانه كلّ ما يستطيع من مال لأن حركة الشيخ وطموحاته، تتطلب الأموال الطائلة وكان الشيخ يحاول إقناعه بشتى الوسائل والأساليب، حتى عيل صبره، ونفدت طاقته، فتركه لمصيره الذي طالما حذّره الشيخ منه...

عاد الحاج خالد الى الحفة فألقى الفرنسيون القبض عليه وأعدموه بطريقة بشعة تتناسب مع انسانية الغربيين وأخلاقهم فقد جمع الفرنسيون أهل القرى وسكبوا الكاز على الحاج خالد وأحرقوه حيّا أمامهم.

وعندما وصل الخبر إلى الشيخ، بكى، وترحّم على الحاج خالد ودعا له ليكتبه الله عنده من الشهداء ولا يكتبه ممن يلقون بأيديهم الى التهلكة.




وتحدّث الشيخ بهذا الحادث الأليم، وربط بينه وبين ما يجري على الأرض الفلسطينية وبين الفرنسيين والانجليز فهؤلاء ملّة واحدة وما فعلوه بالحاج خالد فعلوا أكثر منه هنا في فلسطين، وفي سائر البلاد الخاضعة لاستعمارهم والناس المستعمرون في غفلة عن هذا.....

وكان تعاطف الناس مع الشيخ، وانفعالهم بدروسه عظيمين، الأمر الذي جعلهم يسعون ليكون إمام الجامع الكبير وخطيبه، وجعلهم يكلمون الشيخ في الانتقال من ذلك البيت المتواضع المبني من الصفيح الذي يشتعل بحرارة الصيف، ولا يردّ برودة الشتاء، ولكنّ الشيخ طمأنهم عن حاله وحال إخوانه الذين هاجروا معه، وهم يعملون في الميناء، وفي الزراعة، والحمدلله، ثم قال لهم:
ـ مشكلة الشيخ وإخوانه محلولة، نريد حلا لمشكلة فلسطين، فالهجرات اليهودية على قدم وساق والإنجليز يمهدون لهم لإقامة وطنهم القوميّ المزعوم... إنّهم يصادرون الأراضي التي لا يستطيعون شراءها، ويقدمونها لليهود القادمين من سائر أنحاء الأرض والأراضي التابعة لأملاك الدولة يعطونهم إياها بالمجّان وهم يدربّون شبابهم من رجال ونساء ويسلحونهم، ويبنون لهم المستعمرات التي هي ثكنات عسكرية بكل معنى الكلمة... هنا المشكلة، وليست المشكلة في كيف يعيش الشيخ وإخوانه وعائلاتهم...



كان الشيخ عزالدين عفيفا صلبا في هذا الموقف بالذات وكان يقول لإخوانه: ازهدو بما في أيدي الناس، يحبكم كلّ الناس، وكان هو القدوة في هذا فسار إخوانه على نهجه فأتعبهم مع أسرهم ولكنهم كسبوا محبّة الناس واحترامهم، وحفظوا كرامتهم وعزّة نفوسهم...



يتبع...


الى متى ؟!..



















التوقيع

الهي..تـركـت ما أحــب من أجـل ما تـُـحـب..
فاجعـل ما تـُـحـب هو كـل ما أحـب..
واكتـب لي فـعل ما تـُـحـب..
فحبــك غـاية ما أحــب..
رد مع اقتباس
قديم 29-07-2010, 08:43 PM   رقم المشاركة : 19
معلومات العضو
جنين
عضو خبير
 
الصورة الرمزية جنين
 
 

إحصائية العضو










جنين is on a distinguished road

جنين غير متواجد حالياً

افتراضي





الجزء السادس عشر






كان الشيخ عزالدين عاقلا، بعيدا عن التهور... وكان يعرف أنه غريب في عُرف بعض الناس وقد تكون غربته مدعاة للحسد خاصة بعدما لاحظ احتفال معارفه به، من رواد مسجد الاستقلال ولهذا قرر أن يكون صبورا حكيما حتى لا يقع فيما لا يريد الوقوع فيه مما يبعده عن مهمته الجهادية وكان يوصي إخوانه بما يوصي به نفسه وأهله ويردّد على مسامعهم الحديث الشريف الذي أدّب رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه به: "إنّكم لن تسعوا الناس بأموالكم ولكن يسعهم منكم حسن الخلق".


كما يردد هذا البيت الذي حفظوه مع الحديث النبوي ، لكثرة ما سمعوه:


إذا لم تتسع أخلاق قوم تضيق بهم فسيحات البلاد.


وأراد الشيخ أن يوسّع دائرة معارفه في المدينة، فذهب إلى المدرسة الإسلامية، وتعاون معها، وشاركها في تعليم الأطفال، وعن هذا الطريق تعرّف إلى التلاميذ، وإلى آبائهم وإخوانهم وأقاربهم، كما تعرّف إلى المعلمين، واكتسب قلوبهم بسرعة، لما تميّز به من زهد وتواضع وعلم، فكانوا يرون فيه العالم المحبوب، الزاهد في أيّ شيء يتطلعون إليه والزاهد في مأكله وملبسه...، عندما زاروه في بيته رأوه بيتا متواضعا كبيوت الفقراء الآخرين، ورأوا بيته مطروقا من فقراء العمال والفلاحين يستقبلهم بابتسامته التي لا تفارق شفتيه، ويداعبهم ويمازحه ويضاحكهم ويحرص على زيارتهم ومجالستهم، بعيدا عن الأضواء التي يتهافت عليها غيره، فعندما كان بعض المشايخ يتهافتون على المناصب، ويتنافسون في احتلال المراكز وحضور المؤتمرات، كانوا يرون الشيخ القسام مع رفاق العقيدة والمبدأ والسلاح، يعلمهم، ويوجههم ليسهموا في نشر رسالته بين الفلاحين الأميين الذين صاروا يقرؤون ويكتبون، ويعرفون بعض تعاليم دينهم، بل إنهم ليرون الشيخ القسام نفسه، يساعد الفلاحين في زراعتهم وفلاحتهم، كأنه فلاّح مثلهم، وواحد منهم بل كان، كما وصفه الشيخ القصاب لأصحابه التجار من أهل حيفا:


ـ الحق... أنّ الشيخ القسام شخصية شعبية جماهيرية جذّابة محبوبة، وهو حسن السيرة والمعشر، يتصل بسائر فئات الشعب، متدينين وغير متدينين، ويجالسهم في المساجد والبيوت والمقاهي ويزورهم في المآتم والأفراح والمضافات مما أثار بعض المتزمتين عليه ولكنه لم يأبه لهؤلاء لأنه صاحب رسالة يسعى إلى تحقيقها بكل الأساليب والطرق النظيفة.... وكانت تتوارى خلف هذه الشخصية الشعبية المحبّبة شخصية تنظيمية فذّة فبعد أن اجتمع عليه الناس في جامع الاستقلال الذي جعل منه مدرسة اسلامية فريدة، بحيث كان الناس يتوافدون إليه من سائر أحياء المدينة وقراها، ليستمعوا إلى خطبة الجمعة، أو إلى دروسه الحيّة، أو لحضور مجالس الذكر، ومجالس الصلاة على النبيّ صلى الله عليه وسلم، التي كان يقيمها المسجد، ليبثّ من خلالها ما يريد من فكر جهاديّ، وتربويّ وسياسي وبعد أن وثّق صلاته بالقرى التي كان يزورها، ويقيم علاقات الأخوّة والصداقة فيها...





بعد كل هذا وأثناءه، بدا الشيخ يشكل تنظيمه السريّ، ويختار له من يثق به من الشبان والشيوخ والكهول، لتهيئتهم من أجل القيام بعمل مسلّح، يستطيع الوقوف في وجه اليهود والإنجليز معا.



كان هذا في الوقت التي كانت الثورة في سورية تجتاح الاستعمار الفرنسي، وكان القسام يضع اللبنات الأولى لتنظيمه السّريّ، وكان يربّي أعضاء التنظيم تربية خاصة صارمة، على التمسك بأهداب الدين، والتفقه بأحكامه، ومعرفة الحلال والحرام، والابتعاد عن الشبهات، كما كان يؤكد لهم على معاني السريّة والكتمان ويأتيهم بالشواهد الكثيرة على أهمية الكتمان، من حديث الرسول صلى الله عليه وسلم ومن حياته العملية، ومن حياة أصحابه، كما كان يدربهم على استخدام السلاح ويلّح عليهم في شرائه واقتنائه ومعايشته، ليكون جزءاً من حياتهم، يبادلونه حبا بحبّ، وعشقاً بعشق، وكان يقول لهم:


ـ استعدوا فالمواجهة قريبة.


وكان الشيخ يزرع حبّ فلسطين في نفوس، من خلال دروسه الفقهية، وكان يطلب من بعض تلاميذه توجيه أسئلة معيّنة، ليجيب عليها الجواب الذي يجب أن يعرفه الناس.


سأله تلميذه أبو ابراهيم الكبير مرة، والمسجد مكتظ بالناس:


ـ هل صحيح يا مولانا، أن فلسطين كانت ليهود قبل أربع آلاف سنة؟


فرفع الشيخ كمّ جُبّته الأيمن وقال:


ـ هذا سؤال مهم.. ولا بأس في الاجابة عليه، مع أنّ درسنا كان حول الحج إلى بيت الله الحرام....


اسمعوا يا أخواني الجواب على سؤال أخيكم أبي ابراهيم...


عُرفت فلسطين بأرض كنعان منذ عام 2500 قبل الميلاد واستمرَّ العرب الكنعانيون يحكمونها ألفا وخمس مئة عام، حتى سُمّيت باسمهم، فقيل لها: أرض كنعان هكذا ورد في توراة اليهود، حين تحدّثت توراتهم عن عبور اليهود نهر الأردن، واستقرارهم جنوبيّ القدس في أرض كنعان..


وكان سيِّدنا إبراهيم عليه السلام أول من عبر النهر مع مجموعة من قومه، واشترى حفيده اسرائيل مزرعة كأي فلاح لاجئ غريب، تملَّكلها في ظل العرب الكنعانيين، وكوّن مع قومه ما يشبه جالية أجنبية صغيرة....




ولّما جاء موسى عليه السلام مع قومه من مصر، هربا من فرعون وملئه، تاه موسى ومن معه أربعين سنة في جزيرة سيناء، وكان هذا سنة 1290 قبل الميلاد، ولم يجرؤ على اقتحام أرض كنعان، ثم اقتحمها خليفته من بعده، واسمه يوشع بن نون، عام 1186 قبل الميلاد، واحتلَّ أريحا، وذبح أهلها، وخرّب بيوتها.... هل تفهمون ما أقول؟ احفظوا هذه المعلومات جيداً...


وسيدنا داوود عليه السلام لم يؤسس مملكة إسرائيل إلا سنة ألف قبل الميلاد، بعد أن سقطت أورشليم(يعني القدس) في أيديهم... وكانت أورشليم تمثل آخر حصون الكنعانيين.


ثم انهارت مملكة داوود عام 935 قبل الميلاد بموت النبي سليمان بن داوود عليهما السلام، وانقسمت إلى مملكتين: مملكة إسرائيل، ومملكة يهودا القدس وما جاورها إليها.


وهكذا فنّد الشيخ مزاعم اليهود في حقّهم التاريخي في فلسطين والناس مشدودون إليه، حتى إنّ بعضهم كان يكتب ما يقوله الشيخ ويستعيده بعض الأسماء والأرقام، ليجادلوا اليهود في أكاذيبهم.


وسأله مرة سعيد عطية المصري، وكان من أعوانه، عن السبي الذي تعرّض له اليهود، ومرة عن فتح القدس ، وكان الشيخ يجيبه ويركز على بعض المعاني...


ففي فتح القدس، تحدث عن تحرير فلسطين من أيدي الروم..




وكيف أن بطارقة القدس، طلبوا من القائد أبي عبيدة بن الجراح أن يأتيهم بأميرالمؤمنين عمر بن الخطاب ليصالحوه على فتح المدينة المقدّسة، ويسلّموه مفاتيحها، وعندما جاءهم أمير المؤمنين كان من جملة ما اشترطوه على المسلمين أن لا يسمحوا لليهود بالسكن في بيت المقدس، وقالوا: إنّ اليهود رجس شيطاني لا يجوز لهم أن يدنّسوا المدينة الطاهرة، وقد وافقهم أمير المؤمنين عمر على هذا، وأثبته في العهد الذي واثقهم عليه.


فهتف عدد من الحاضرين:


ـ الله أكبر... الله أكبر.


ـ أرأيتم؟ بطارقة النصارى وزعماؤهم ورجال الدين فيهم، يطالبون أمير المؤمنين، بألا يسمح بإقامة اليهود في بيت المقدس... لماذا؟ لأنهم يعرفون أن اليهود فاسدون مفسدون في الأرض.


ومرة سأله أبو ابراهيم الصغير عن اللجنة الصهيونية قائلا:


ـ كثيرا ما نسمع عن اللجنة الصهيونية يا مولانا، وبعضهم يزعم أنها هي التي تتصرف في فلسطين، وكأنها الحاكمة والمسؤولة.. فما هي هذه اللجنة؟




هَمهَمَ الشيخ عزالدين، ورفع كلتا يديه إلى الأعلى وشدَّ كميّه إلى زنديه، وقال، وابتسامته التي لا تفارق محيّاه، تزيِّن وجهه الصبوح:


ـ كنّا نتحدث عن مكارم الأخلاق التي جاء بها الاسلام، وتريدنا يا أخي يا أبا إبراهيم أن ننتقل إلى أصحاب مساوئ الأخلاق، من إنجليز ويهود.


فقال أبو ابراهيم الصغير:


ـ وبضدّها تتميز الأشياء يا مولانا.


قال الشيخ عزالدين، ردّا على سؤال أبا إبراهيم الصغير:


ـ الانجليز احتلوا فلسطين، ودخلوا القدس في التاسع من شهر كانون الأول عام 1917 احفظوا هذا التاريخ، حذارِ أن تنسوه...




وبعد يومين من احتلال القدس وقف الجنرال اللنبي ـ قائد الجيش الإنجليزي المحتل ـ وألقى خطابه المشهور في قلعة القدس القديمة، وقال فيه: الآن انتهت الحروب الصليبية.. كما وقف غورو، القائد الفرنسي الذي احتلّ دمشق في الرابع والعشرين من تموز 1920... وقف السكّير على قبر صلاح الدين الأيوبي رضي الله عنه، وركله بقدمه،.. وقال: عدنا يا صلاح الدين...






قبر صلاح الدين





وقد سبق احتلال بلاد الشام اتفاقية سايكس وبيكو في تشرين الأول عام 1916 وقضت تلك الاتفاقية بتقسيم بلاد الشام إلى مجموعة من الدويلات، وأعطى بلفور اللعين، وزير خارجية الانجليز، وعدا لليهود بإنشاء وطن قومي لهم في فلسطين في الثاني من تشرين الثاني عام 1927م.


وبناء على تلك الاتفاقيات السريّة، والوعد البلفوري المشؤوم أصدرت السلطات الانجليزية المحتلة أمرا الى الادارة العسكرية الانجليزية الحاكمة في فلسطين، وفي نيسان 1918 بأن تسمع وتطيع أوامر اللجنة الصهيونية التي وصلت في ذلك الحين الى فلسطين، برئاسة اليهودي وايزمان....




وايزمان




وبموجب هذا الأمر، أعطيت اللجنة الصهيونية ـ فورا ـ كل التسهيلات في تنقلاتها وتحرياتها، وصارت تلك اللجنة الملعونة، المرجع المهمّ للادارة الحاكمة، وسرعان ما فُتحت أبواب فلسطين للهجرة اليهودية...


فسأل سعيد المصري:


ـ والعرب؟ والفلسطينيون؟ أين كانوا؟


أجاب الشيخ عزالدين:


ـ الانجليز عزلوا الشعب الفلسطيني عن إخوانه وأشقائه في بلاد الشام، وحرّموا عليهم كلّ عمل يتصل بمستقبلهم... منعوهم حتى من السفر والتجول، ثم إنّ ظروف الحرب أنهكت الشعب، ثم جاء الانجليز ناكثوا العهود والمواثيق، ليزيدوا الطين بلّة، ويكونوا ضغثاَ على إبّالة، فاحتلوا فلسطين، والأردن، والعراق، كما احتلّوا من قبل مصر والهند... والانجليز أكبر قوة في البرّ والبحر...


فصاح عربي البدويّ:


ـ ولكن الله أكبر منهم، ومن أساطيلهم،وجيوشهم.


فقال القسام:


ـ أحسنت يا عربي.. بهذه الروح، وبهذا اليقين، نكون نحن أكبر منهم ومن اليهود ومن كلّ دول الكفر والضلال...


وأخرج الشيخ منديلا نظيفا من جيبه، وأسند ظهره إلى( العَرَندَس) الذي يجلس عليه ومسح عرقه الذي كانت حبّاته تتلألأ على جبينه، ثم تابع يقول:


ـ بالإيمان، أيها الأحباب، نمتلك إرادة لا تُقهَر بعون الله انظروا... عندما اعتقل الانجليز الأمير محمود الزناتي في الحادي والعشرين من نيسان عام ألف وتسع مئة وعشرين... احفظوا التاريخ... احفظوا تاريخ كل حادثة... أقول... عندما اعتقل الانجليز الأمير محمود الزناتي، بعد المذبحة التي شارك فيها الانجليز واليهود معاً، في الرابع والخامس من نيسان هذا، وهاجمت جموع الشعب الفلسطيني السجن، وأخرجوا الأمير المعتقل، برغم أنف الانجليز... ماذا فعل الانجليز؟ لقد انصاعوا لإرادة الشعب المؤمن.. وعندما اشتدت المواجهات بين الفلسطينيين واليهود والإنجليز، وهاجم الفلسطينيون بعض القرى اليهودية، ماذا فعل اليهود؟


فقال البدوي:


ـ هربوا مثل الكلاب.





ـ بل الكلاب تقف وتنبحك، وقد تهاجمك، للدفاع عن نفسها، أمّا اليهود فإنّهم ولّوا الأدبار.




وأحسّ الشيخ أنه ربما تجاوز المقرَّر في إجاباته اليوم، فقد استطاع غرس شجرة الحقد المقدس تجاه الانجليز واليهود في هذه الإجابات...






فأخذ يلملم جبّته، إيذانا بالانصراف، فقال له سعيد المصري:


ـ يا مولانا.. أنت لم تجبني على سؤالي: أين العرب؟ وأين المسلمين؟


هل من المعقول أن يبقى إخواننا العرب والمسلمين يتفرجون علينا ولا يحركون ساكناً من أجل القدس والأقصى والبراق والصخرة؟


قال الشيخ:


ـ دع العرب يا شيخ سعيد، فإنهم يكابدون ما يكابدون من ألوان التخلف والجهل والفقر والمرض... والمسلمون غارقون في مشكلاتهم.





قال سعيد المصري:


سوف أذهب إلى مصر. وأستنفر أهلها المسلمين لنصرة فلسطين.


قال الشيخ القسام:


بارك الله فيك يا شيخ سعيد المصري... سوف نعتمد على أنفسنا هنا، وسوف يتحرك أهل الغيرة والنجدات من إخواننا المسلمين في مصر وسورية والأردن والعراق والحجاز، والمغرب والهند وتركيا وغيرها من أجل هذه القضية المقدّسة..






وها نحن أولاء الآن نجلس في مسجد الاستقلال.. من بنى هذا المسجد؟ ومن بنى مدرسته؟ ومن وقف له الأوقاف؟


فأجابه سعيد:


ـ الشيخ كامل القصاب.


ـ ومن أين الشيخ كامل القصاب؟


ـ من دمشق.


ـ إذن... الشيخ القصاب ليس فلسطينيناً... إنه سوري، ومع ذلك جاء بي وبإخواني إلى فلسطين، لنتابع كفاحنا ضدّ الغزاة الانجليز واليهود هنا بعدما استحال الكفاح المسلح في سورية التي حكمها الفرنسيون الشرسون المجرمون.. لماذا؟ لأنّ هذه الأمة أمة واحدة، وهذا الوطن وطن واحد لكل المسلمين، ولأن هذه الأرض أرض عربية إسلامية منذ آلاف السنين. ثم... أريد أن أسألكم:


ـ ما اسم هذا الجامع؟


فجاءته الإجابة من كل مكان: مسجد الاستقلال.


فقال الشيخ:


ـ الشيخ كامل القصاب السوري الجنسية ـ حسب تقسيمات الاستعمارـ يبني هذا المسجد، ويسمّيه مسجد الاستقلال، تفاؤلاَ بالدور المأمول له في تحرير حيفا ويافا والقدس وغزة وسائر الأرض الفلسطينية.


هل تسمعني يا شيخ سعيد ابن الكنانة؟


ـ نعم يا مولانا ... أسمعك.


فقال الشيخ:


ـ المهم الآن.. أن تكون فلسطين كلّ فلسطين في قلوبنا، تكون هي همّنا وشغلنا الشاغل، أن يكون بيت المقدس، والأقصى والصخرة والبراق والخليل خليل الرحمن، وكل حبّة رمل أو تراب فلسطينية، في قلوبنا وعقولنا....





يتبع...



أنشودة أرض كنعان






















التوقيع

الهي..تـركـت ما أحــب من أجـل ما تـُـحـب..
فاجعـل ما تـُـحـب هو كـل ما أحـب..
واكتـب لي فـعل ما تـُـحـب..
فحبــك غـاية ما أحــب..
رد مع اقتباس
قديم 06-08-2010, 01:12 AM   رقم المشاركة : 20
معلومات العضو
جنين
عضو خبير
 
الصورة الرمزية جنين
 
 

إحصائية العضو










جنين is on a distinguished road

جنين غير متواجد حالياً

افتراضي




الجزء السابع عشر




قال الشيخ عز الدين للشيخ القصاب، وقد جلسا وحدهما في جوف الليل، وقد نام أهل البيت، كما نام سائر أهل حيفا:


ـ والآن يا شيخ عزالدين، فقد استطعت أن تفعل خلال خمس سنوات، ما لم يستطع غيرك فعله في عشرات السنين.


ـ هذا بفضل الله، ثم بفضل جهودك وجهود إخوانك المجاهدين يا شيخ عز الدين... فقد طفت بعض القرى، والتقيت كثيراً من الناس، وكانو كلّهم يلهجون بذكرك،ويردّدون بعض الكلمات في خطبك ودروسك، وكلّهم معجبون بالشيخ السوريّ الوسيم، صاحب العمامة الأنيقة، والجبّة الجميلة، والمنطق الحلو الذي يخرج من فم ينقط منه عسلٌ مصفى.


فقاطعه الشيخ عز الدين:


ـ هل هذا غزل يا شيخ كامل؟


أجاب الشيخ كامل القصاب:


ـ إنّ الفلاحين يتغزلون بقامتك الممشوقة، وبوجهك المنير، وبعينيك الساحرتين.. هكذا سمعتهم، والله يقولون عنك، كما أنهم معجبون بعقلك بعقلك النّير وأفكارك المستنيرة الثائرة... أظّنك قد عرفت كيف تطبخهم، وتنضجهم، ليكونوا وقود الثورة ورجالها الميامين.


قال الشيخ القسام:


ـ والله إنّ عجبي لا ينقضي من هؤلاء البسطاء الطيّبين... هؤلاء الفقراء من باعة الكاز، والعتّالين، والحجارين، والفلاحين... ما أروعهم... ما أبدعهم... ما أحسن عشرتهم... ما أسخاهم وأكرمهم... لو طلبت من أحدهم ابنه لقدّمه إليك، مابخل به عليك.


قال الشيخ كامل في اهتمام:


ـ دقّ الحديد وهو حامٍ يا شيخ عز الدين... فهؤلاء أصبحوا مهيئين للثورة على الإنجليز واليهود.


_ مع أنّ أكثر دروسي في الحلال والحرام، وفي أركان الدين.


ـ ولكنك كنت ترمي رميك هنا وهناك، ومن خلال أحاديثك تلك.


قال الشيخ عز الدين:


_ الحق يا شيخ كامل، لهؤلاء البسطاء الفقراء دور عظيم في نشر الوعي بكلّ أشكاله وألوانه، في صفوف الناس في حيفا، وفي قراها.


_ والآن... على ماذا عوّلت؟ ماذا تريد أن تفعل؟ خطوة.. خطوة....


قال الشيخ عز الدين، وهو يخرج ورقة من الوسادة التي يتكئ عليها:


ـ هداني الله إلى هذا التشكيل، لتنظيمنا الجهاديّ:


سيكون على رأس التنظيم قيادة مؤلفة من مجموعة إخوة، ستكون أنت وأنا من بين أعضائها.


فقال الشيخ القصاب:


_ بل أنت رئيسها... الشيخ عز الدين هو شيخ المنظمة ورئيسها.


- والشيخ كامل؟


- والشيخ كامل مستشارها، إن وافقتم وأحببتم.


- بل أنت المرشد والموجه والمستشار.


- فقال الشيخ كامل:


- دعنا من هذه الأسماء أنا لا أستطيع الظهور، والإقامة الطويلة بينكم... أنا من أهل الخطوة.


وضحك الشيخان، ثم قال الشيخ عز الدين:


ـ وستكون عندنا خمس مجموعات، وكل مجموعة تعمل على انفراد، ولا يعرف أفراد المجموعة الواحدة شيئاَ ذا بال عن أفراد المجموعات الأخرى، وعن مهمّاتهم....


قال الشيخ القصاب:


- نبدأ بالمجموعة الأولى.


قال القسام:


- المجموعة الأولى هي التي تعنى بالتدريب العسكري، ثم القيام بالعمليات الجهادية.




ـ إذن... دعنا نطلق عليها اسم: مجموعة التدريب.... ولمن ستوكل أمرها؟


ـ ليس لدينا أفضل من الضابط التركي جلادت... وسوف أطلب منه العمل على تأسيس سليم لهذه الوحدة التنظيمية، بعد أن أشرح يمكننا الحصول عليها، ليستخدموها الاستخدام الصحيح، ومن ثمّ تدريبهم على فنون القتال في المدن والجبال.


ـ والمجموعة الثانية؟


ـ المجموعة الثانية هي التي تعمل للإعداد... إعداد الناس للثورة، بنشر الوعي بين الناس، وبشرح أخطار المرحلة الراهنة على البلاد، وما يقوم به الإنجليز لتمكين اليهود من فلسطين بإقامة الوطن القومي المزعوم لهم.



ـ ولمن ستسلّمها؟


ـ لحاج حسين حمادة.


ـ جميل..... والثالثة؟


قال الشيخ القسام؟


ـ والمجموعة الثالثة لشراء الأسلحة والذخائر... وسوف يتسلمها حسن الباير.




فقال القصاب:


كلّما نظرت إلى حسن، تذكرت ما كان عليه من انحراف، وما صار إليه صلاح، بعد أن هداه الله على يديك، تماماً، مثلما كنت أنا في شبابي، قبل أن يهديني الله.


فقال الشيخ عز الدين، كأنه لم يسمع ما قاله الشيخ كامل عن نفسه:


ـ أرى أن نسلمه مهمة شراء الأسلحة مع الشيخ نمر السعدي.


ـ عظيم... يكمّل كلّ منهما صاحبه.... والرابعة؟


ـ المجموعة الرابعة هي المجموعة السياسية، ومهمّتها الاتصال بالسياسيين العرب والفلسطينيين، لتنسيق العمل، وتوحيد المواقف، حتى لا نصطدم بغيرنا من رجال الأحزاب السياسية، وبهذا نفوّت على الاستعمار الإنجليزي مبدأه الملعون:


فرّقْ تسُدْ.


ـ ولمن ستكول مهمة هذه اللجنة؟


ـ للشيخ المخزومي... محمود سالم المخزومي.


قال الشيخ كامل:


ـ رائع... والخامسة؟


فقال الشيخ عز الدين:


ـ وحدة التجسس على العدو الإنجليزي واليهودي.




فقال الشيخ كامل:


هذا تفكير متقدّم جداً يا شيخ عز الدين، أخشى ان يقع أفراد هذه المجموعة في بعض المطبّات...


فقال القسام:


ـ سوف نكلف بهذه المجموعة الشيخ ناجي أبو زيد، وهو ذكي، وحاضر البديهة، وموثوق، وصاحب دين. وصلاته واسعة بالعرب الذين يعملون مع اليهود، في الثكنات الإنجليزية، والوزائر الحكومية والبوليس.... وعن طريقه كنت أعرف بعض أسرار الأحزاب اليهودية، والضباط الإنجليز... وإني لأرجو أن نتعرف عن طريقه على بعض الأهداف الثمينة.


قال الشيخ كامل:


ـ أرجو أن توفّق في عملك السريّ هذا يا شيخ عز الدين، وأنا العبد الفقير لله تعالى ـ ستجدني جندياً مطيعاً، منفذاً لأوامرك.


فقاطعه الشيخ عز الدين بقوله:


ـ لو كنت أعرف أنك تقبل أن تكون شيخ التنظيم ورئيسه ومرشده، بايعتك فوراً على السمع والطاعة، فمثلي لا يجهل فضلك يا شيخ كامل.


أغضى الشيخ كامل حياء وتواضعاً وقال:


ـ بل أنت الشيخ والقائد يا شيخ عز الدين، في حال حضوري وفي غيابي، فمؤهلاتك القياديّة العسكرية والإداريّة والعلميّة، وفهمك لمن ولما حولك، ومعرفتك بالرجال، كفيلة بإنجاح عملك إن شاء الله، وتخليص البلاد والعباد من هؤلاء السفلة والأوباش...


ثم وقف الشيخ كامل، ومدّ يده للشيخ القسام. وقال:


ـ مدّ يدك يا سيّدي لأبايعك على الجهاد في سبيل الله ، والاستشهاد من أجل فلسطين....... الأرض التي باركها الله... من أجل الأقصى والصخرة وخليل الرحمن، من أجل تحرير كلّ ذرة تراب من فلسطين...






فهبّ الشيخ القسام واقفاً ومدّ يده مبايعاً، ثم تعانق الشيخان ودموعهما تغسل خدودهما ولحاهما الطاهرة.








أنشودة جددوا البيعة





















التوقيع

الهي..تـركـت ما أحــب من أجـل ما تـُـحـب..
فاجعـل ما تـُـحـب هو كـل ما أحـب..
واكتـب لي فـعل ما تـُـحـب..
فحبــك غـاية ما أحــب..
رد مع اقتباس
رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
طرق مشاهدة الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع إلى


جميع الأوقات بتوقيت GMT +4. الساعة الآن 01:35 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.2
Copyright ©2000 - 2010, Jelsoft Enterprises Ltd diamond
جميع الآراء المكتوبة بالمنتدى تعود لصاحبها --- Powered by A'laa Sobheia